من عجائب التواصل الوزاري في المغرب: الواتساب كمنصة للتلميع

يبدو أن بعض الوزارات المغربية قد اكتشفت أخيرًا سرّ النجاح في القرن الحادي والعشرين: إنشاء مجموعة على “واتساب”! نعم، لم تعد الخطط الاستراتيجية، ولا المشاريع التنموية، ولا السياسات العامة هي أولوية العمل الوزاري، بل باتت صورة الوزير وهو يقص شريطًا أو الوزيرة وهي تبتسم بذكاء في زيارة ميدانية أهم من أي مشروع إصلاحي. التواصل، كما يبدو، صار عند بعض القطاعات الحكومية عبارة عن نشرة إخبارية يومية تُرسل عبر تطبيق الرسائل، مرفقة بصور عالية الجودة وفيديوهات ممنتجة بعناية توحي وكأننا نتابع حملة انتخابية دائمة.

في مغرب 2025، يبدو أن التواصل لم يعد يُفهم كما في باقي الدول، أي على أنه حوار ثنائي بين المواطن والإدارة، بل تحوّل إلى مونولوج طويل ممل تُمليه الوزارة على الصحفيين. هؤلاء الصحفيون الذين لم يعودوا يتلقّون بلاغات رسمية أو بيانات مدققة، بل يُقذف إليهم محتوى رقمي مزخرف يُطالبهم ضمنيًا بنشره كما هو، دون نقاش أو تدقيق، تحت عنوان عريض: “هكذا يتجلى تميز الوزير الفذ!”. وبالطبع، من يعارض أو ينتقد، فهو “عدو للنجاح” و”غير مطلع على مجهودات المرفق العام”.

الأدهى أن هذه الجهود التجميلية لا تأتي من فراغ، بل تُرصَد لها ميزانيات قد تفوق أحيانًا تلك المخصصة لبرامج التكوين أو التجهيز. كيف لا، و”البروباغندا” أصبحت بندًا أساسيا في دفتر تحملات أي مسؤول حكومي. وكأن المطلوب من الوزارة ليس تحقيق النتائج بل تجميل العثرات، وطمس الإخفاقات، والإيحاء بأن كل شيء على ما يرام، طالما أن الصورة مضاءة جيدًا والفيديو مصحوب بموسيقى ملهمة.

من الغريب أن يُختزل مفهوم التواصل إلى إدارة محتوى إعلامي موجّه، يلمّع صورة الوزير، بينما يُهمل صوت المواطن، ويتجاهل تساؤلات الصحفيين، ويعتبر كل مطالبة بالشفافية هجومًا شخصيًا. فبدلاً من تحويل ميزانيات التواصل إلى منصات حقيقية للحوار والمساءلة والشرح، تُخصص للزينة الرقمية والبهرجة، وكأن المواطن المغربي لا يطلب سوى المزيد من “الريّاكشنات” والابتسامات الوزارية المصوّرة.

ومع اتساع هذه الظاهرة، يصبح السؤال ملحًّا: هل نحن أمام وزارات أم وكالات إعلانات؟ وهل الوزير مسؤول منتخب أم نجم “سوشال ميديا”؟ وإذا استمر هذا النهج، فقد نصل قريبًا إلى لحظة يُمنح فيها الوزير تنقيطًا يوميًا حسب عدد مرات مشاركته على “الواتساب”، بدلًا من عدد القرارات المفيدة التي اتخذها.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts