في نوفمبر 2024، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة قصيرة إلى مدينة الدار البيضاء بعد مشاركته في قمة العشرين بالبرازيل، حيث التقى بولي العهد الأمير مولاي الحسن. ورغم أن الزيارة كانت رمزية، إلا أنها تعكس الأهمية المتزايدة التي يوليها العملاق الصيني للمغرب، باعتباره بوابة رئيسية نحو الأسواق الأوروبية والأفريقية.
وقالت جريدة نيويورك تايمز إنه في خضم النزاعات التجارية العالمية، وخصوصًا بين الصين والولايات المتحدة، أصبح المغرب مركزًا صناعيًا استراتيجيًا تستثمر فيه الصين بشكل متسارع. فقد شهدت السنوات الأخيرة تدفق استثمارات صينية ضخمة تجاوزت 10 مليارات دولار، خاصة في قطاعات السيارات، الطاقة، والبطاريات الكهربائية. من بين أبرز الشركات التي استقرت في المغرب نجد Gotion High-Tech المتخصصة في البطاريات، بالإضافة إلى شركات أخرى تدخل ضمن سلسلة التوريد للسيارات الكهربائية.
هذا التوجه يعكس تطورًا في النظام التجاري العالمي، حيث تلعب دول “الربط” كالمغرب دور الوسيط لتفادي الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على المنتجات الصينية. هذه الدول، التي تملك اتفاقيات تجارة حرة مع الكتل الاقتصادية الكبرى، توفر منفذًا قانونيًا لشركات التصنيع لتجاوز العقبات الحمائية.
في هذا السياق، يُعد المغرب خيارًا مثاليًا للصين بفضل موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، واتفاقية التجارة الحرة التي تربطه بالاتحاد الأوروبي، وبنيته التحتية المتطورة في النقل كميناء طنجة المتوسط، فضلًا عن وفرة الفوسفات الضروري لصناعة البطاريات، وتحوله السريع نحو الطاقة النظيفة.
وبحسب مجلة Auto World Journal، أصبح المغرب في عام 2023 أكبر مصدر للسيارات إلى الاتحاد الأوروبي، متجاوزًا كلًا من الصين واليابان والهند. هذا ما يجعل منه مركزًا جذابًا ليس فقط للفرنسيين مثل رونو وستيلانتيس، بل أيضًا للصينيين الذين يبحثون عن منصات إنتاج بديلة.
وتضيف الجريدة أن هذه المكانة المتقدمة ترافقها تحديات جيوسياسية. فمع تصاعد التوتر بين الصين من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى، يصبح من الصعب على المغرب أن يحافظ على موقف الحياد دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أو اقتصاديًا. الإدارة الأميركية، وخصوصًا في عهد ترامب، تفرض ضغوطات جمركية تصل إلى 145% على الصين، وتحذر الدول التي تحتضن استثمارات صينية من عواقب محتملة، كفرض رسوم عقابية.
ومع ذلك، يحرص المغرب على الحفاظ على توازن دقيق بين شراكاته المتعددة. فهو يشارك في تدريبات عسكرية مع الناتو، ويتعاون مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب، ويسعى للحصول على طائرات F-35 الأميركية المتقدمة. وفي الوقت نفسه، يعد المغرب الصين شريكًا استراتيجيًا في مشاريع ضخمة كمصنع للصلب ضمن أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، ومحطة للطاقة الشمسية، وخط سكة حديد عالي السرعة، ومدينة تكنولوجيا في طنجة من المنتظر أن تحتضن أكثر من 200 شركة صينية.
وبينما تواصل الصين تعزيز وجودها الاقتصادي في المغرب، فإن الولايات المتحدة ما زالت تراقب هذه التحركات عن كثب. في يناير 2025، بدأ مصنع مشترك صيني في منطقة الجرف الأصفر بإنتاج قطع البطاريات، ضمن صفقة تصل قيمتها إلى 2 مليار دولار. وفي أكتوبر 2024، دشنت شركة Sentury الصينية لإطارات السيارات مصنعًا جديدًا في مدينة طنجة التقنية، بينما أعلنت شركة Gotion الصينية عن خطط لبناء “جيغافاكتوري” للبطاريات بقيمة مبدئية 1.3 مليار دولار، قد ترتفع إلى 6.5 مليار دولار لاحقًا.
وفي ختام المقال، تشير الكاتبة إلى أن الاستراتيجية المغربية تقوم على “المراهنة المزدوجة”، حيث تحاول الرباط الاستفادة من استثمارات الصين دون أن تغضب الولايات المتحدة.