من أبرز التحديات المرتبطة بالتغطية الصحية بالمغرب أن حوالي 8 ملايين من المواطنات والمواطنين مازالوا خارج دائرة الاستفادة من التأمين الاجباري الأساسي عن المرض، إما لعدم تسجيلهم في منظومة التأمين (تقريبا 5 ملايين)، أو لِوجودهم، حتى وإن كانوا مسجلين، في وضعية “الحقوق المغلقة” (droits fermés) (3,5 مليون)،وأن الإنفاق الصحي المباشر على المواطنين لا يزال مرتفعًا بنسبة تبلغ حوالي 50% من المصاريف الإجمالية الصحية، وهي نسبة تفوق سقف الـ25% الموصى به دوليًا، مما يدفع البعض إلى تجنب تلقي العلاجات الأساسية لأسباب مالية.
كشف عبد الصادق السعيدي، عضو مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن المغرب شهد تطورا فيما يخص الحماية الاجتماعية، في ظرف سنوات قليلة منذ الشروع في تفعيل التزامات القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية سنة 2021، وهو ما يبرز من خلال عدد من المؤشرات، منها أن نسبة السكان المسجلين في منظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض انتقلتْ إلى حوالي 88 في المائة، مقابل أقل من 60 في المائة سنة 2020، وأن حوالي 11.1 مليون مواطنة ومواطن يستفيدون حاليا من نظام أمو-تضامن الخاص بالفئات الاجتماعية المعوزة، بغلاف مالي يناهز 10 مليار درهم سنويا، وأن أكثر من 3.9 مليون أسرة (إلى حدود شتنبر 2024) تستفيد من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، بغلاف مالي سوف يناهز حوالي 30 مليار درهم.
وأوضح السعيدي، في كلمة ألقاها نيابة عن عبد القادر اعمارة، رئيس المجلس، في ندوة “الدولة الاجتماعية: المرجعيات والسياسات”، نظمتها كلية الحقوق السويسي بالرباط، الثلاثاء، أن سنة 2025 ستشكل محطة حاسمة في ورش الحماية الاجتماعية، فهي السنة الخامسة والأخيرة لتنزيل هذا الإصلاح الهيكلي وفق مقتضيات القانون الإطار. وهو ما يقتضي بطبيعة الحال تكثيف الجهود لتوطيد المكتسبات، وتسريع وتيرة الإنجاز، ومواصلة تفعيل الإصلاحات الأخرى المتعلقة بتوسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد لتشمل أكثر من 5 ملايين شخص من الساكنة النشيطة غير المستفيدين من أي معاش، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل، بما يضمن حماية اجتماعية أكثر شمولًا وإنصافًا.
واستحضر في هذا اللقاء موضوع الدولة الاجتماعية، وقال إنه من الضروري الوقوف على الورش الملكي الطموح لإرساء منظومة الحماية الاجتماعية، لما يمثله من إصلاح استراتيجي غير مسبوق في المسار التنموي لبلادنا. مشيرا إلى أن هذا الورش الذي يشكل تجسيدا ملموسا لاختيار الدولة الاجتماعية، وتحولا هيكليا في السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي، وتوجها لا محيد عنه لتعزيز قدرات الأفراد والمجتمع على الصمود في وجه الأزمات وتقلبات الظرفية.
وأكد السعيدي أن المغرب ماض بخطى ثابتة في جعل الحماية الاجتماعية التزاما راسخا، وحقا فعليا، مكفولا لكل فرد، طيلة حياته، بغض النظر عن وضعه المهني أو الاجتماعي، موضحا أن المغرب خطا خطوات مهمة نحو تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، انطلاقًا من الرؤية والتوجيهات الملكية السامية، ومنذ اعتماد القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية سنة 2021، مسجلا نتائج ملموسة، لا سيما على مستوى برامج التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر.
وأشار السعيدي أن سنة 2025 ستشكل محطة حاسمة في ورش الحماية الاجتماعية، فهي السنة الخامسة والأخيرة لتنزيل هذا الإصلاح الهيكلي وفق مقتضيات القانون الإطار. وهو ما يقتضي بطبيعة الحال تكثيف الجهود لتوطيد المكتسبات، وتسريع وتيرة الإنجاز، ومواصلة تفعيل الإصلاحات الأخرى المتعلقة بتوسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد لتشمل أكثر من 5 ملايين شخص من الساكنة النشيطة غير المستفيدين من أي معاش، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل، بما يضمن حماية اجتماعية أكثر شمولًا وإنصافًا.
وأضاف السعيدي أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي دأب، في تناوله للقضايا والمجالات ذات الصلة بالحماية الاجتماعية، على التأكيد على أهمية بلورة رؤية شاملة ومتكاملة تقوم على ضمان حماية واسعة ومستدامة لكافة الأفراد في كافة مراحل الحياة.
وأكد المتحدث أن المجلس أصدر، في هذا الصدد، عددا من التقارير والآراء ذات الصلة بمنظومة الحماية الاجتماعية، من بينها: الرأي بشأن مراجعة الإطار القانوني للمعاشات المدنية (في سنة 2014)؛ والتقرير حول “الحماية الاجتماعية في المغرب: واقع الحال، الحصيلة وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية” (في سنة 2018)؛ والرأي حول “التعويض عن فقدان الشغل: أية بدائل في ضوء مقتضيات القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية؟” (في سنة 2021)؛ والرأي حول “الصحـة والسـلامة فـي العمـل: دعامـة أساسـية للتنميـة الاقتصادية والاجتماعية ” (في سنة 2021)؛ ونقطة يقظة حول استعجالية تفعيل الإصلاح الهيكلي والشمولي لقطاع التقاعد (في سنة 2022).
وتابع أن المجلس قام، أواخر سنة 2024، في إطار اضطلاعه بمهمة تتبع السياسات العمومية، بإعداد رأي حول الحصيلة المرحلية لعملية تعميم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وبعد أن سجل السعيدي الحصيلة الإيجابية لهذه المرحلة، حيث قال “إذا كانت الحصيلة المرحلية لورش إرساء منظومة الحماية الاجتماعية هي حصيلة إيجابية بشكل عام، بالنظر إلى التقدم الملموس والمطرد الذي تحقق على أرض الواقع، إلى حد الآن”، لم يفت المتحدث التوقف عند التحديات، التي يجب الانكباب عليها لضمان نجاح هذا الورش على النحو الأمثل، وهي:
1. بالنسبة للتغطية الصحية:
• ما يزال حوالي 8 ملايين من المواطنات والمواطنين خارج دائرة الاستفادة من التأمين الاجباري الأساسي عن المرض، إما لعدم تسجيلهم في منظومة التأمين (تقريبا 5 ملايين)، أو لِوجودهم، حتى وإن كانوا مسجلين، في وضعية “الحقوق المغلقة” (droits fermés) (3,5 مليون).
• نسبة المصاريف التي يتحملها المُؤمَّنون مباشرة ما تزال مرتفعة، بحيث قد تصل إلى 50 في المائة من إجمالي المصاريف الصحية، مقارنةً مع سقف 25 في المائة الذي توصي به منظمة الصحة العالمية وكذا البنك الدولي، مما يدفع بعض المؤمَّنين أحيانا إلى العدول عن طلب العلاجات الأساسية لأسباب مالية.
• وفضلا عن ذلك، وإذا كانت الأنظمة الخاصة بأجراء القطاع الخاص ونظام “أمو – تضامن” سجلت توازنا ماليا سنة 2023، فإن باقي الأنظمة ما زالت تعاني، لأسباب مختلفة، من عجز مالي تقني في تغطية الاشتراكات للتعويضات: (172 % بالنسبة لـ”أمو- العمال غير الأجراء”، و121 % بالنسبة لـ “أمو-القطاع العام”)، مما يؤثر على آجال تعويض المؤمَّنين وأداء المستحقات لمقدمي الخدمات الصحية.
• كما يلاحظ أن معظم نفقات التأمين الصحي الإجباري الأساسي عن المرض تتجه نحو مؤسسات العلاج والاستشفاء الخصوصية (ما بين 84 و97 % بالنسبة لـ”أمو” الخاص بالموظفين والأجراء وغير الأجراء، و57 % بالنسبة لـ” أمو- تضامن)، وذلك نظرا لعدم كفاية العرض في القطاع العام وضعف جاذبيته.
• هذا، ويلاحظ كذلك أن متوسط كلفة تحمل ملف صحي واحد في القطاع الخاص قد يفوق أحيانا نظيره في القطاع العام بــ 5 مرات، وذلك لغياب بروتوكولات علاجية ملزمة، مما يؤثر سلبا على الاستدامة المالية لمنظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
2. أما بالنسبة للدعم الاجتماعي المباشر:
• لا زال الاستهداف الدقيق للمستفيدين والتحقق من صحة المعطيات المدلى بها، يشكل تحديا ينبغي رفعه لإنجاح هذا البرنامج وتعزيز نجاعته.
3. بالنسبة لنظام التقاعد :
• تواجه أنظمة التقاعد، وإن بدرجات متفاوتة، تحديات مرتبطة بالتوازنات المالية والاستدامة، إضافة إلى ضرورة ضمان الإنصاف بين مختلف الفئات، بما يتيح لها القدرة على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، مع الحفاظ على المكتسبات وحقوق الأجيال القادمة.
• ولا بد كذلك، أن نأخذ في الاعتبار التحولات الديموغرافية المتسارعة التي كشف عنها الإحصاء الأخير للسكان والسكنى، خاصةً تنامي ظاهرة شيخوخة السكان. فمع تراجع معدلات الولادة (1.97 أي أقل من طفلين لكل امرأة) وارتفاع متزايد في أمد الحياة (77 سنة سنة 2024) ، يزداد الضغط على أنظمة التقاعد، مما يستدعي تبني إصلاحات تأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات لضمان توازنها المالي واستدامتها على المدى البعيد.
4. بالنسبة للتعويض عن فقدان الشغل:
• هناك عدة تحديات أساسية تواجه هذه المنظومة من بينها: تيسير شروط الأهلية للاستفادة من التعويض، وملاءمة نسب التعويض لمستوى المعيشة، وتمويل آلية التعويض عن فقدان الشغل بشكل مستدام ومنصف.
وقال السعيدي إن إصلاح الحماية الاجتماعية ليس إصلاحا قصير الأمد، وإنما يتطلب إنجازَ توقعات ودراسات اكتوارية (études actuarielles)على المدى المتوسط والطويل.
وأوضح السعيدي أن المجلس، ومن أجل استكمال التنزيل الأمثل لهذا الورش المجتمعي وتحقيق غاياته الإنسانية الطموحة، يقترح عددا من التوصيات تهم الركائز الأساسية لمنظومة الحماية الاجتماعية:
أولا : بخصوص تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، يوصي المجلس بإرساء نظام إجباري مُوَحَّد قائم على التضامن والتكامل والالتقائية بين مختلف أنظمة التأمين التي يتألف منها، مع تعزيزه بنظام تغطية إضافي (تكميلي واختياري) تابع للقطاع التعاضدي و/أو التأمين الخاص، مع العمل بشكل مواز على تسريع وتيرة تأهيل العرض الصحي الوطني، بما يعزز جودة وجاذبية القطاع العام، ويحافظ على مكانته المتميزة ضمن عرض العلاجات.
ثانيا، بخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، يؤكد المجلس على أنه لضمان نجاح هذا البرنامج وتعزيز استدامة توازنه المالي، يتعين التركيز بشكل خاص على:
– إيلاء أهمية قصوى للاستهداف الدقيق للمواطنات والمواطنين الذين يستحقون الدعم فعلا، والتحقق من صحة المعطيات المدلى بها، لتفادي أن يتحول هذا الدعم إلى نوع من الاتكالية الاقتصادية الدائمة بدل البحث عن فرص لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية للمستفيدين.
ثالثا، بخصوص توسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد يوصي المجلس :
– بتوحيــد أنظمــة التقاعــد، من خلال إحـداث نظـام معاشـات وطنـي إجبـاري أساسـي، معزز بدعامتين: نظـام تكميلـي إجباري موجـه للمداخيـل التـي تفـوق السـقف المحـدد في النظام الأساسي؛ ونظـام فـردي اختياري؛
رابعا، بخصوص التعويض عن فقدان الشغل، يوصي المجلس بالعمل على وضع:
– نظام للتأمين عن فقدان الشغل خاص بالعاملين الأجراء، مع تحسين شروط الولوج والاستفادة من هذه الآلية؛
– ونظام للتأمين عن فقدان الشغل لفائدة العاملين غير الأجراء، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات مختلف المهن.