أعلنت شركة “نافر” الكورية الجنوبية مؤخراً عن مشروع طموح لإنشاء مركز بيانات عملاق للذكاء الاصطناعي في المغرب، في خطوة تُمثل انعطافة تاريخية في مسار التحول الرقمي للمملكة وشمال إفريقيا بأكملها. هذا الصرح التكنولوجي الضخم الذي سيعمل بقدرة 500 ميغاواط يأتي ثمرة تحالف استراتيجي يضم عمالقة التكنولوجيا العالميين “إنفيديا” و”نيكسوس كور”، ليضع المغرب على خارطة الدول المؤثرة عالمياً في مجال البنية التحتية الرقمية المتقدمة.
مشروع “نافر” ليس مجرد مركز بيانات تقليدي، بل منظومة متكاملة صُممت لتكون محوراً رئيسياً لخدمات الحوسبة السحابية المتطورة والذكاء الاصطناعي على مستوى منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا. من المقرر أن تدخل المرحلة الأولى من المشروع حيز التشغيل بحلول نهاية عام 2025، ليبدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في تعزيز سيادة المملكة الرقمية وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للتكنولوجيا المتقدمة.
يستند اختيار المغرب كموقع استراتيجي لهذا المشروع العملاق إلى مزايا فريدة يتمتع بها المغرب، أبرزها الموقع الجغرافي المميز الذي يربط بين ثلاث قارات. تُشكل المملكة بوابة طبيعية تربط إفريقيا بأوروبا، حيث لا تتعدى المسافة بين ساحلها الشمالي والقارة الأوروبية 15 كيلومتراً فقط، مما يضمن زمناً قياسياً لانتقال البيانات لا يتجاوز 25 مللي ثانية إلى المراكز الأوروبية الرئيسية، وهو عامل حاسم في كفاءة خدمات الحوسبة السحابية.
يعزز هذا الموقع المتميز شبكة متطورة من الكابلات البحرية العابرة للقارات، على رأسها مشروع “أفر-إيكس ميدوسا” الاستراتيجي الذي يمتد على طول 8,700 كيلومتر من الألياف البصرية، رابطاً المغرب بخمس دول أوروبية، وموفراً سرعات هائلة تصل إلى 200 تيرابت في الثانية. هذه البنية التحتية المتقدمة للاتصالات تؤهل المغرب ليكون مركزاً محورياً للذكاء الاصطناعي في تخزين ومعالجة البيانات على مستوى القارات الثلاث.
سارعت المملكة في السنوات الأخيرة إلى تطوير إطارها التشريعي الخاص بحماية البيانات، حيث أصدرت قانون 2021 الذي يعزز الأمن السيبراني ويلزم الشركات باستضافة البيانات الحساسة داخل الحدود المغربية. تتوافق هذه التشريعات بشكل كامل مع اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية (GDPR)، مما يجعل المغرب وجهة جذابة للشركات العالمية التي تسعى للتوسع في أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا مع الالتزام بالمعايير الدولية لخصوصية البيانات.
هذه البيئة التنظيمية المتقدمة مهدت الطريق لتبني نموذج “الذكاء الاصطناعي السيادي” الذي سيمكّن المغرب من ضمان معالجة البيانات داخل حدودها مع إتاحة الخدمات السحابية المتطورة عبر منصة مخصصة للمؤسسات الحكومية والشركات الخاصة. يمثل هذا النهج تحولاً استراتيجياً في كيفية تعامل الدول مع البيانات باعتبارها ثروة وطنية تستحق الحماية والاستثمار.
تقنياً، سيضم مركز “نافر” أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الحوسبة المتقدمة، حيث سيتم تجهيزه بمعالجات “إنفيديا بلاكويل” المتطورة التي تتفوق على الجيل السابق بأربعة أضعاف في مهام التعلم العميق. ستشمل المرحلة الأولى من المشروع تشغيل بنية تحتية بقدرة 40 ميغاواط كافية لتشغيل أكثر من 20,000 وحدة معالجة رسومية (GPU)، مع خطة طموحة للتوسع التدريجي حتى الوصول إلى 500 ميغاواط بحلول 2027.
الالتزام بالاستدامة البيئية يمثل ركيزة أساسية في هذا المشروع العملاق، حيث تعاقدت “نافر” مع شركة “طاقة” المغربية لتأمين مصادر طاقة نظيفة بنسبة 100%، معتمدة على مزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. يأتي هذا التوجه متكاملاً مع استراتيجية المغرب للطاقة المتجددة التي تستهدف رفع نسبة مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني إلى 52% بحلول عام 2030، مما يساهم أيضاً في نشر استخدام الذكاء الاصطناعي لتقنيات أكثر فعالية.