الاستثمار العمومي في المغرب: الفجوة الجهوية تتفاقم رغم القفزة المالية الكبرى

الاستثمار العمومي في المغرب: الفجوة الجهوية تتفاقم رغم القفزة المالية الكبرى

شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا كبيرا في الاستثمار العمومي، حيث سجل نموا بنسبة 86.8% بين 2020 و2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 380 مليار درهم في 2026.

هذا الجهد الاستثماري الطموح يهدف إلى دعم المشاريع الكبرى للبنية التحتية، ومرافقة الاستراتيجيات القطاعية، وتعزيز الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية، مع التركيز على أربعة محاور رئيسية: التشغيل وفق خصوصيات كل جهة، تعزيز الخدمات الاجتماعية، التدبير المستدام للموارد المائية، والتأهيل الترابي المندمج بما يشمل مشاريع مرتبطة بكأس الأمم الأفريقية 2025 وكأس العالم 2030.

لكن، ورغم ضخامة هذه الموارد، يشير عبدالسلام الصديقي إلى أن توزيع الاستثمارات العمومية يظل مركّزا في ثلاث جهات كبرى: الدار البيضاء–سطات (30.6% في 2025)، الرباط–سلا–القنيطرة (19.4%)، ومراكش–آسفي (13.6%)، أي أن هذه الجهات الثلاث تستحوذ على 64% من الاستثمار العام للمؤسسات العمومية، ويستمر هذا التوجه في 2026 مع نسب مشابهة، ما يعكس ميلا قويا نحو الأقطاب الحضرية التقليدية على حساب الجهات الداخلية والهامشية.

في المقابل، تسجل جهات مثل درعة–تافيلالت، سوس–ماسة، كلميم–واد نون، والداخلة–وادي الذهب حصصا ضئيلة غالبا أقل من 3%، ما يكرس الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الجهات ويطرح علامات استفهام حول فعالية السياسات الترابية المعلنة.

وتكشف البيانات المتعلقة بالناتج المحلي الإجمالي للفرد عن فجوات أكبر: الدخل الفردي يصل إلى 84 ألف درهم في الداخلة–وادي الذهب مقابل 19 ألف درهم في درعة–تافيلالت، بفارق يزيد على أربعة أضعاف، في حين تحظى بعض الجهات الواقعة ضمن الوسط الاقتصادي مثل فاس–مكناس أو مراكش–آسفي بتفاوتات داخلية حادة، إذ تحتضن مدنا مزدهرة محاطة بأقاليم فقيرة جدا، ما يجعل متوسط الناتج المحلي للفرد غير عاكس تماما للواقع المعيشي للسكان.

ويشير الصديقي أيضا إلى أن الاستثمار الخاص يسير في خطى مماثلة، حيث تستحوذ الجهات الثلاث الكبرى على نحو 60% من المشاريع المصادق عليها من قبل اللجنة الوطنية للاستثمار، في حين تحظى الجهات الهامشية بعدد محدود من المشاريع، كما هو الحال لدرعة–تافيلالت التي تجذب بالكاد أربع مشاريع من أصل 250 مشروعا معتمدا بمليارات الدراهم.

من هذا المنظور، يؤكد عبدالسلام الصديقي أن تحقيق العدالة المجالية يتطلب دمقرطة توزيع الاستثمارات العمومية والخاصة، وضمان استفادة جميع الجهات من المشاريع الكبرى، مع مراعاة التفاوتات المعيشية والناتج المحلي للفرد، وإلا ستستمر الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في التضخّم، رغم الأرقام الضخمة المعلنة للميزانيات والمشاريع الاستثمارية.

ويخلص الصديقي إلى أن الاستثمار العمومي ليس مجرد أرقام مالية ضخمة، بل أداة استراتيجية لإعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وعلى الدولة أن تضمن استفادة الجهات الداخلية والهامشية، إلى جانب الأقطاب الحضرية الكبرى، لتفعيل التنمية المستدامة والعدالة المجالية في المملكة.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts