أنس صلاح الدين، اسمٌ بدأ يسطع في سماء كرة القدم الأوروبية والمغربية في آنٍ واحد. وُلد في الثامن عشر من يناير سنة 2002 بمدينة أمستردام الهولندية، من أصول مغربية تعود إلى منطقة تنغير. نشأ في بيئةٍ تجمع بين ثقافتين، ما جعله منذ طفولته يوازن بين الدقة الهولندية والانتماء المغربي العميق. هذه الازدواجية لم تكن عبئًا عليه، بل شكّلت مصدر قوّةٍ وهويةٍ رياضيةٍ واضحة الملامح.
بدأ أنس مسيرته الكروية في أندية الهواة بأمستردام، حيث لفت الأنظار بسرعة بفضل مهاراته الفنية وسرعته في التقدّم بالكرة من الجهة اليسرى. التحق بأكاديمية نادي ألكمار الهولندي التي عُرفت بقدرتها على صقل المواهب الشابة، ثم انتقل سنة 2018 إلى مدرسة أياكس أمستردام الشهيرة. هناك، وجد نفسه داخل منظومة احترافية تعتمد على الانضباط والتكتيك، فتدرّب مع أفضل المدربين وتعلّم كيف يحوّل موهبته الطبيعية إلى أداءٍ متكاملٍ على أرض الملعب.
مع فريق أياكس للشباب، شارك أنس في دوري أبطال أوروبا لفئة تحت تسعة عشر عامًا، حيث أظهر نضجًا تكتيكيًا يفوق سنّه. في يناير 2020، خاض أول مباراة احترافية له مع “يونغ أياكس” في دوري الدرجة الثانية الهولندي. وخلال موسم 2021-2022، أصبح عنصرًا أساسيًا في التشكيلة، وتمكّن من تسجيل هدفه الأول، ما فتح أمامه أبواب الفريق الأول بقيادة المدرب إريك تين هاغ. لاحقًا، شارك في بعض مباريات الدوري الهولندي الممتاز، مؤكّدًا أنه مشروع ظهير أيسرٍ حديثٍ يجمع بين القوة الدفاعية والمساندة الهجومية الذكية.
بحثًا عن المزيد من الدقائق والخبرة، انتقل أنس على سبيل الإعارة إلى نادي تفينتي أنشخيده، حيث واصل التطور بثبات. وفي تجربة جديدة خارج هولندا، تعاقد معه نادي روما الإيطالي، قبل أن تتم إعارته إلى نادي إيندهوفن (PSV) صيف عام 2025. هذه المحطات المتعددة جعلت منه لاعبًا ناضجًا من الناحية التكتيكية، قادرًا على التكيّف مع مدارس كروية مختلفة.
أما على المستوى الدولي، فقد واجه أنس صلاح الدين خيارًا صعبًا بين تمثيل هولندا، بلد الميلاد والتكوين، والمغرب، بلد الأصل والانتماء. وبعد سنواتٍ من اللعب في صفوف المنتخبات الهولندية للفئات الصغرى، اتخذ قراره النهائي: تمثيل المغرب. وفي نوفمبر 2025، وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) رسميًا على تغيير جنسيته الرياضية، ليصبح مؤهّلًا للعب مع المنتخب المغربي. هذا القرار قوبل بترحيبٍ واسعٍ من الجماهير المغربية التي رأت فيه نموذجًا لجيلٍ جديد من اللاعبين مزدوجي الجنسية الذين يختارون الانتماء القلبي قبل أي اعتبارٍ آخر.
من الناحية الفنية، يُعدّ أنس من اللاعبين الذين يجسّدون صورة “الظهير العصري”. يتميّز بسرعةٍ عاليةٍ في الانطلاق، وقدرةٍ على تغطية المساحات، وتمريراتٍ عرضية دقيقة تصنع الفارق في الثلث الأخير من الملعب. كما أنه يتمتع بلياقةٍ بدنيةٍ قوية تساعده على أداء الأدوار الدفاعية والهجومية بنفس الكفاءة، إضافة إلى وعيٍ تكتيكي يتيح له فهم متطلبات اللعب الجماعي داخل منظومة متقدّمة مثل أياكس أو روما.
اختيار أنس تمثيل المغرب لم يكن مجرد خطوةٍ رياضية، بل كان موقفًا إنسانيًا وثقافيًا يعكس ارتباطه العميق بجذوره. ففي كل تصريحاته، يعبّر عن فخره ببلده الأم، وعن رغبته في المساهمة في رفع رايته في المحافل الدولية. المغرب بدوره كسب لاعبًا موهوبًا يملك الخبرة الأوروبية والروح القتالية، ما يجعله إضافةً حقيقية لخط الدفاع في المنتخب الوطني، خصوصًا في مركز الظهير الأيسر الذي ظلّ يشكّل تحديًا في بعض الفترات.
اليوم، يقف أنس صلاح الدين على أعتاب مرحلةٍ جديدة من مسيرته. أمامه تحديات كثيرة، أبرزها حجز مكانٍ أساسي في فريقه الحالي، والتأقلم السريع مع أسلوب اللعب في المنتخب المغربي، إضافة إلى إثبات نفسه أمام منافسين يملكون خبرةً أكبر. غير أنّ طريق النجاح لا يهاب الصعاب، بل يرحّب بها. وبالنظر إلى طموحه وإصراره، يبدو أن هذا اللاعب يملك كل المقومات ليكون أحد أبرز الأسماء في مستقبل الكرة المغربية.