صدر عن منشورات باب الحكمة بتطوان كتاب جماعي جديد يحمل عنوان “كيف يُفهم التاريخ: مشارب وتجارب”، وهو ثمرة مشروع فكري وجماعي شارك فيه عدد من الباحثين المغاربة، متمرّسين وشبابا، بإشراف وتنسيق من الأستاذين محمد حبيدة والطيب بياض.
يأتي هذا العمل في سياق زمني امتد بين سنتي 2023 و2024، خلال ورشات فكرية نظمت بهدف التفكير المشترك في أسئلة الكتابة التاريخية وتحدياتها الراهنة، والسعي إلى إنتاج مؤلَّف جماعي يحمل بصمة معرفية متناسقة رغم تعدد الأصوات والخلفيات.
يضع الكتاب نصب عينيه غاية أساسية تتمثل في تحفيز الباحثين الجدد على الوعي بقيمة المنهج والتناهج في دراسة التاريخ، وإبراز الدور الذي تلعبه الكتابة في تشكيل حضور المؤرخ داخل حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية.
ويتتبع المؤلفُ الامتداد الواسع لهذا الوعي منذ كتاب “مهنة المؤرخ” لمارك بلوك وصولا إلى تنظيرات إيفان جابلونكه في “التاريخ باعتباره أدبا معاصرا”، مرورا بأعمال حاسمة مثل “صناعة التاريخ” و“كتابة التاريخ” لجاك لوغوف وبيار نورا وميشال دوسيرتو.
ومن خلال هذا المسار النقدي، ينجح الكتاب في إعادة الاعتبار للبعد الأدبي في كتابة التاريخ، بوصفه عنصرا أساسيا في بناء خطاب تاريخي قادر على التواصل مع القارئ وعلى استيعاب تعقيدات الماضي.
ويتوزع الكتاب على قسمين رئيسيين؛ أولهما مخصص للاتجاهات المؤسِّسة في الكتابة التاريخية داخل جامعات ومراكز بحث معروفة بتراكمها العلمي، سواء في أوروبا أو أمريكا أو أستراليا أو الهند أو تركيا.
يتيح هذا القسم للقارئ الاطلاع على مدارس متعددة في فهم التاريخ، بعضها يستند إلى مرجعيات الحداثة وبعضها الآخر ينتمي إلى تيارات ما بعد الحداثة، كما هو الحال في مدرسة الدراسات التحتية (Subaltern Studies) بالهند، التي أعادت التفكير في التاريخ انطلاقا من أصوات المهمشين.
ويكتسي هذا الانفتاح على تجارب أخرى أهمية خاصة، لأنه يُخرج الباحث من المركزية المحلية، ويضع تاريخ الذات في مواجهة مرآة التجارب الدولية.
أما القسم الثاني، فيعرّف بمجموعة من التجارب الفردية لعدد من المؤرخين البارزين الذين تركوا بصمتهم على الفكر التاريخي الحديث، بينهم فيرناند بروديل وفرانسوا فوريه وباتريك بوشرون وراناجيت غوها وخليل إنالجيك وغيرهم.
ويُظهر الكتاب من خلال هذه النماذج التحولات الإبستيمولوجية التي مرّ بها هؤلاء الباحثون، وكيف انعكست اختياراتهم النظرية والمنهجية على أعمالهم التاريخية، بما يُتيح للقارئ فهم مسارات تطور الفكر التاريخي المعاصر.
وساهم في هذا العمل أسماء أكاديمية متعددة من جامعات مختلفة عبر المغرب، ما يعكس تنوعا معرفيا ورغبة مشتركة في إعادة التفكير في أسئلة التاريخ وطرائق كتابته.
ويأتي هذا المؤلَّف ليغني الساحة البحثية المغربية بمرجع جديد يفتح آفاقا لطلاب التاريخ وباحثيه، ويدعو في الوقت نفسه إلى تجاوز الكتابة الوصفية نحو كتابة نقدية واعية بسياقاتها وبحدودها وبإمكاناتها.
يعد كتاب “كيف يُفهم التاريخ: مشارب وتجارب” دعوة إلى التفكير العميق في معنى التاريخ ذاته، وإلى تأمل التحولات التي عرفها هذا الحقل عبر العقود، في ظل عالم متغيّر يتطلب من المؤرخ أدوات قراءة جديدة وقدرةً على الانفتاح على المعارف العابرة للتخصصات.
وبذلك، يرسخ الكتاب دور منشورات باب الحكمة في دعم المشاريع الفكرية التي تسهم في تجديد الكتابة التاريخية وتوسيع أفقها المعرفي.