البريكس تتقدم والولايات المتحدة تنسحب: مفترق طرق في معركة المناخ

قدّم عبدالسلام الصديقي، الخبير الاقتصادي والوزير السابق، قراءة معمّقة لمخرجات مؤتمر الأطراف حول المناخ (COP30) الذي احتضنته البرازيل بين 10 و21 نونبر 2025، في لحظة فارقة تتقاطع فيها رهانات الانتقال الطاقي العالمي مع تحولات جيوسياسية كبرى.

ويكشف تحليل الصديقي عن مفارقة واضحة: مؤتمر يحسب له تحقيق تقدم سياسي ورمزي مهم من جهة، لكنه ينتهي أيضا بخيبة أمل بسبب غياب قرارات ملزمة تتعلق بالتخلص من الطاقات الأحفورية، وهو الهدف الذي يطالب به المجتمع العلمي والدول الأكثر هشاشة منذ سنوات.

عكس النص الختامي للمؤتمر، المعنون بـ”Mutirão” أي “الجهد الجماعي”، هذا الواقع المزدوج. فقد تبنى المجتمع الدولي توافقا في حدّه الأدنى، يفتح المجال لمبادرات طوعية بين الدول الراغبة في خفض انبعاثاتها الكربونية، لكنه امتنع عن فرض مسار واضح للتخلي عن الوقود الأحفوري.

وبرغم ضغوط نحو 80 دولة، ظلّ النص بعيدا عن أي التزام صريح، مما تسبب في موجة انتقادات واسعة من الدول الأكثر تضررا من آثار الاحترار، وكذلك من منظمات البيئة التي رأت فيه وثيقة “ناقصة الشجاعة” لا ترقى إلى مستوى التحدي العالمي.

في المقابل، يبرز الصديقي التحول الكبير الذي أحدثه انسحاب الولايات المتحدة من مؤتمرات المناخ تحت إدارة الرئيس ترامب.

فهذا الانسحاب، الذي يستند إلى إنكار علمي واضح لتغير المناخ ووصفه بأنه “أكبر عملية احتيال في التاريخ”، منح الصين وحلفاءها في مجموعة “البريكس” موقعا قياديا غير مسبوق في ملف الانتقال الطاقي.

الصين، التي أعلنت خفضا واسعا لانبعاثاتها بحلول 2035، تتقدم بخطى ثابتة في مجالات الطاقات المتجددة والمركبات الكهربائية والبطاريات، وتظهر حسب الصديقي أكبر قدر من المصداقية مقارنة بباقي القوى الكبرى.

غير أن هذا التقدم لا يلغي حقيقة أخرى مقلقة: الدول الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي وروسيا، مسؤولة وحدها عن 60% من الانبعاثات العالمية.

وفي مقابل ذلك، تعاني دول الجنوب من كلفة تغيّر المناخ أكثر من غيرها رغم عدم مسؤوليتها عن مسبباته. تذكّر مندوبة السودان، لينا ياسين، بهذه المأساة حين تقول: «نحن نساهم بأقل من 1% من الانبعاثات، لكننا الأكثر تضرراً». إنها المفارقة الأخلاقية التي تجعل قضية “العدالة المناخية” محوراً لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات مستقبلية.

وبرغم بطء التقدم في ملف التكيف مع آثار التغير المناخي من توفير محاصيل مقاومة للحرارة إلى تطوير بنى حضرية تخفّف موجات الحر والجفاف شهد مؤتمر البرازيل خطوة إيجابية: التزام بمضاعفة التمويلات الموجهة للتكيف بحلول 2035، لتبلغ حوالي 120 مليار دولار سنويا.

قرار اعتبره الصديقي تقدما ملموسا، لكنه يظل رهين قدرة الدول الغنية على تعبئة هذه الموارد فعليا.

ولأول مرة، فتح المؤتمر أيضا نقاشا رسميا حول التوترات التجارية المرتبطة بالانتقال البيئي، مثل الضريبة الأوروبية على حدود الكربون.

ويعد هذا مكسبا استراتيجيا للصين ودول ناشئة أخرى تخشى استعمال المناخ ذريعة لفرض حواجز تجارية جديدة.

مع ذلك، بقيت خيبة الأمل واضحة في مواقف الاتحاد الأوروبي والدول الجزرية التي رأت أن غياب قرارات ملزمة يجعل من مؤتمر البرازيل “مؤتمرا بطعم بريكس”، ويبرز هشاشة التعددية المناخية في ظل تضارب المصالح الدولية.

على الصعيد المغربي، يسجل الصديقي حضورا دبلوماسيا وازنا خلال هذا المؤتمر، إذ أعاد المغرب التأكيد على التزامه بانتقال مناخي عادل يراعي خصوصيات الدول النامية، وعلى أهمية تعبئة تمويلات ترتكز على المجالات الترابية وتعزيز التعاون جنوب–جنوب.

كما قدّم نسخته المحدّثة من المساهمة المحددة وطنيا (CDN 3.0)، مضيفا إليها أبعادا اقتصادية واجتماعية، مع التركيز على التعليم والشباب والرياضة كرافعات للتحول المناخي.

ويختتم الصديقي مقاله باستحضار التحذير العلمي الذي وجّهه الباحث البرازيلي كارلوس نوبري، والذي يعتبره بمثابة ناقوس خطر: إذا لم يتوقف استعمال الوقود الأحفوري كليا بين 2040 و2045، فإن العالم سيواجه ارتفاعا حراريا كارثيا قد يصل إلى 2.5 درجة مئوية، مع ما يعنيه ذلك من اختفاء الشعاب المرجانية، وانهيار غابة الأمازون، وتسارع ذوبان الجليد في غرينلاند.

إن تحليل عبدالسلام الصديقي يرسم صورة دقيقة لعالم يقف على مفترق طرق: تقدم سياسي متواضع، قيادة جديدة من دول البريكس، انسحاب أمريكي يربك موازين القوة، وحاجة ملحّة إلى “عدالة مناخية” تعيد تصحيح علاقة الشمال بالجنوب.

وبين هذه المعادلات، تبدو سنة 2030، موعد مؤتمر الأطراف المقبل، نقطة اختبار حاسمة لمسار إنقاذ الكوكب من مصير يلوح في الأفق بوضوح مخيف.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts