يقدّم تقرير البنك الدولي الأخير حول متابعة الوضع الاقتصادي في المغرب، وخاصة في شقّه المتعلق بمناخ الأعمال، لحظة تقييمية مفصلّة تجمع بين الاستمرارية والتحوّل.
وفق مقال تحليلي للخبير الإقتصادي عبدالسلام الصديقي، فالمغرب، الذي كان لسنوات جزءا من لعبة الترتيب الدولي عبر مؤشر Doing Business، يجد نفسه اليوم داخل إطار جديد، أوسع وأكثر شمولا، هو مؤشر Business Ready (B-READY).
هذا الانتقال ليس مجرد تغيير في الأداة، بل هو تحول في الفلسفة والمنهج، حيث التقط عبد السلام الصديقي هذا التحول بدقة، مع إبراز المكاسب والاختلالات التي يواجهها المغرب في ظل المنهجية الجديدة.
تتمثل أهمية المؤشر الجديد في أنه لم يعد يكتفي بفحص النصوص القانونية كما كانت تفعل الطريقة السابقة، بل أصبح يدمج قياس التنفيذ الفعلي، وجودة الخدمات العمومية، والتفاعلات الاقتصادية داخل دورة حياة المقاولة.
هذا الاتساع المنهجي، حسب الصديقي يجعل من B-READY مرجعا أكثر التصاقا بالواقع وأقل قابلية للالتفاف أو التلاعب، بعد الفضائح التي شابت Doing Business وقادت إلى إنهائه.
من خلال هذا الإطار الجديد، يظهر المغرب في موقع مريح نسبيا، بل ومتقدم في بعض المجالات مقارنة ببلدان في فئات دخل أعلى.
إذ يكشف المؤشر أن الإطار التنظيمي المغربي، أي القوانين والتشريعات، يتميز بجودة معتبرة، ويظهر استباقية في ميادين تأسيس الشركات والولوج إلى الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وإنترنت، بل ويتجاوز متوسط الاقتصادات المرتفعة الدخل في بعض هذه الجوانب.
كما يبرز أداء جيدا في التجارة الدولية، حيث ساهمت الرقمنة وإصلاح سلاسل المعابر التجارية في تحسين موقع المغرب.
غير أن هذه الصورة الإيجابية، كما يبرز الصديقي، تخفي على الجانب الآخر فجوة واضحة بين جودة القواعد القانونية وقدرة المؤسسات على تنفيذها.
فعند الانتقال إلى مقاييس النجاعة الفعلية، القضاء، تصفية الديون، تدبير التشغيل، أو فعالية الخدمات العمومية، يتراجع الأداء المغربي مقارنة بنظرائه، لتظهر هشاشة في الممارسة مقابل صلابة في النصوص.
يوضح هذا التعارض أن معضلة المغرب ليست تشريعية بقدر ما هي مؤسساتية وإجرائية، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الإصلاحات من أوراق إلى واقع.
يترافق هذا الضعف الإجرائي مع إشكالات بنيوية في سوق الشغل، وهو ما يجعل النقاش حول مناخ الأعمال مرتبطا ارتباطا عضويا بقدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل.
فالمعطيات التي يعرضها التقرير، كما ينقلها الصديقي، تكشف عن أزمة عميقة: انخفاض معدل النشاط، ارتفاع البطالة عن مستوى ما قبل الجائحة، وتراجع مذهل في مشاركة النساء في سوق العمل خلال العقدين الأخيرين، ما يجعل المغرب من بين أدنى المعدلات عالميا.
هذا الواقع يؤشر إلى اختلالات هيكلية تتجاوز مجرد تحسين المؤشرات التقنية لمناخ الأعمال، وتتطلب رؤية تنموية شاملة.
انطلاقا من التشخيص المفصل، يحدد التقرير مجموعة من الأوراش ذات الأولوية: تحديث القضاء وتسريع وتيرة الفصل في المنازعات الاقتصادية، تعزيز الرقمنة في الخدمات العمومية، تحسين الحكامة في توزيع الكهرباء والمياه والإنترنت، تطوير البنى التحتية للتجارة الخارجية، إعادة هيكلة النظام الجبائي بما في ذلك الضرائب البيئية، وتبني مقاربة أكثر صرامة في مجالات النوع الاجتماعي والاستدامة البيئية.
هذه المحاور ليست مجرد توصيات تقنية، بل هي شروط ضرورية لتجسيد الإمكانات التي يراها المؤشر الجديد في المنظومة المغربية.
في النهاية، يعيد B-READY توجيه النقاش حول مناخ الأعمال من سباق الترتيب إلى مواجهة الاختلالات العميقة التي تعيق الاستثمار والابتكار وخلق الثروة.
ومن خلال قراءة الصديقي، يتضح أن المغرب يمتلك أسسا قانونية وإصلاحية قوية، لكنه يحتاج إلى الانتقال إلى مرحلة أكثر حساسية: مرحلة الفعالية والتطبيق.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل يستطيع المغرب تحويل “التقدم في الأوراق” إلى دينامية اقتصادية واجتماعية ملموسة؟ الجواب، كما يختم الكاتب، مرهون بما ستكشفه السنوات المقبلة.