قال الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق، عبدالسلام الصديقي، إن الفساد في المغرب يظل ظاهرة معقدة ومتجذرة، لا يمكن اختزالها في اختلالات ظرفية أو ممارسات فردية، بل ترتبط بعوامل تاريخية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية متداخلة، تجعل من مكافحته تحديا بنيويا يتطلب إرادة سياسية قوية ونفسا إصلاحيا طويلا.
وأوضح الصديقي أن ورش الحكامة، رغم ما عرفه من إصلاحات خلال السنوات الأخيرة، ما يزال يعاني هشاشة واضحة على مستوى التطبيق، مشيرًا إلى أن الفجوة القائمة بين النصوص القانونية والتنزيل الفعلي تفتح المجال أمام ممارسات مشبوهة تقوض الثقة في المؤسسات.
وأكد أن إحداث هيئات دستورية وسن قوانين متقدمة لا يكفي ما لم يُرفق بآليات إلزام ومساءلة صارمة.
وأشار إلى أن السلطة التقديرية الواسعة التي تتمتع بها بعض الإدارات، خاصة في مجالات التعمير والعدالة والجمارك والخدمات الجماعية، تشكل بيئة خصبة للفساد، مبرزا أن ضعف الأتمتة وكثرة التفاعل البشري في مساطر غير شفافة يرفع من مخاطر الانحراف واستغلال النفوذ.
وسجل الوزير السابق ضعف ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرا أن قلة العقوبات الفعلية، وتعثر بعض التحقيقات، وغياب حماية كافية للمبلغين عن الفساد، عوامل تشجع على الإفلات من العقاب، وتجعل الممارسات غير الأخلاقية تستمر دون رادع حقيقي.
كما لفت الصديقي إلى أن ثقل الاقتصاد غير المهيكل يساهم بدوره في تغذية الفساد، حيث إن المعاملات غير المصرح بها وغياب التتبع الرسمي يفتحان الباب أمام التواطؤ والرشوة، في علاقة تبادلية يعزز فيها كل طرف الآخر.
وفي السياق ذاته، أبرز أن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورا مقلقا، موضحا أن محدودية الفرص تدفع بعض المواطنين إلى البحث عن “اختصار الطريق”، بينما يلجأ بعض الموظفين إلى ممارسات غير قانونية لتحسين أوضاعهم، ما يجعل الفساد آلية للبقاء عند فئة وامتيازا لفئة أخرى.
ولم يفت الصديقي التوقف عند ما سماه “التطبيع الاجتماعي مع الحلاوة”، حيث ينظر في بعض الأوساط إلى الرشوة كوسيلة عادية لتسريع الخدمات، محذرا من خطورة هذا السلوك على القيم العامة وثقافة المواطنة.
وعن البعد السياسي، شدد على أن الزبونية والمحسوبية تضعف منطق دولة القانون، عندما يصبح الولوج إلى الموارد والمناصب رهينا بالولاءات والعلاقات بدل الاستحقاق.
واعتبر المتحدث أن هذه العوامل مجتمعة جعلت الفساد أشبه بـ“سرطان ينخر المجتمع”، مذكرا بتكلفته الاقتصادية الباهظة التي تقدَّر بنحو 50 مليار درهم سنويا، فضلا عن آثاره الاجتماعية والأخلاقية والمؤسساتية.
وبخصوص الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد 2015-2025، أكد الصديقي أنها أثارت آمالا كبيرة، لكنها انتهت بنتائج مخيبة، ما يستدعي استخلاص الدروس وعدم تكرار نفس الأخطاء.
وفي هذا الإطار، توقف عند الاستراتيجية الجديدة 2025-2030 التي قدمتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، معتبرا أنها طموحة في رؤيتها، وتسعى إلى جعل النزاهة قيمة مجتمعية، ونظاما مؤسساتيا، ورافعة للتنمية، غير أنه نبه إلى أن نجاحها يظل رهينا بتوفر الموارد البشرية والمالية الكافية.
وخلص عبدالسلام الصديقي ، إلى التأكيد على أن محاربة الفساد لا يمكن أن تنجح بإجراءات تقنية فقط، بل تتطلب، دون مواربة، ثورة اجتماعية وثقافية حقيقية، تعيد بناء الثقة وتؤسس لنزاهة مستدامة في علاقة المواطن بالدولة.