في إنجاز يعكس المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها المملكة المغربية على خارطة الإنتاج التلفزيوني الدولي، أسند الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة مهمة الإنتاج الرسمي لكأس أمم إفريقيا 2025. قرار يحمل أكثر من دلالة، ويؤكد الثقة الكبيرة في القدرات التقنية والبشرية التي راكمتها المؤسسة العمومية.
ولم يأتِ هذا التتويج من فراغ. فعلى مدى السنوات الأخيرة، قاد الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، فيصل العرايشي، ورشاً هيكلياً شاملاً لتحديث المنظومة الإنتاجية. من استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتجديد كامل للعتاد التقني، إلى تأهيل مستمر للكفاءات البشرية. واليوم، تجني SNRT ثمار هذه الرؤية الاستشرافية.
ولعل ما يميز هذه المرحلة هو التكامل بين الطموح والواقعية. فالعرايشي لم يكتفِ برسم الأهداف الكبرى، بل حرص على بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين والتأطير ونقل الخبرات. مئات التقنيين والمهندسين استفادوا من دورات تدريبية متخصصة، فيما أُبرمت شراكات استراتيجية مع كبريات المؤسسات الإنتاجية العالمية لضمان مواكبة أحدث التطورات في مجال البث التلفزيوني.
منظومة تقنية بمعايير عالمية
وضعت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ترسانة تكنولوجية متكاملة رهن إشارة هذا الحدث القاري الكبير. بث بتقنية 4K فائقة الدقة، تكنولوجيا HDR لصورة بمستوى غير مسبوق من الوضوح والتفاصيل، ومنظومة صوتية Dolby 5.1 تنقل المشاهد إلى قلب المدرجات. مواصفات لا تقل عن تلك المعتمدة في نهائيات كأس العالم ودوري أبطال أوروبا.
وتشمل هذه المنظومة كاميرات فائقة الأداء قادرة على التقاط أدق التفاصيل، من تعبيرات وجوه اللاعبين إلى حركة الكرة في أجزاء الثانية. إضافة إلى أنظمة إعادة البث البطيء المتعددة الزوايا، وتقنيات الغرافيك المتطورة التي ستُغني التجربة البصرية للمشاهد وتوفر له معطيات وإحصائيات آنية طوال المباريات.
تغطية شاملة لأربعة عشر ملعباً
يتوزع الجهاز الإنتاجي على مختلف مواقع المنافسة. وحدات بث متنقلة من الجيل الأخير في الملاعب الرئيسية بطنجة والدار البيضاء، وملعبي مولاي الحسن والمدينة بالرباط. أما الملاعب التسعة الأخرى فستستفيد من نظام هجين يجمع بين محطات البث الفضائي DSNG وتقنية النقل عبر بروتوكول SRT، ضماناً لاستمرارية البث وجودته في كافة الظروف.
ويُشرف على هذه العملية المعقدة مركز تحكم رئيسي مجهز بأحدث أنظمة المراقبة والتنسيق، يضمن التواصل الفوري بين مختلف الفرق الميدانية والتقنية. شبكة اتصالات داخلية عالية الكفاءة تتيح التدخل السريع في حال وقوع أي طارئ، وتكفل سلاسة الانتقال بين المباريات المتزامنة.
كفاءات وطنية في قلب المشروع
وإن كانت SNRT قد استعانت بشركاء دوليين متخصصين في الإنتاج الرياضي، فإن الطواقم المغربية تظل في صلب العملية الإنتاجية. تنسيق، إشراف، واتخاذ القرار. شراكة ذكية تُراكم الخبرات وتُرسّخ الكفاءة الوطنية، في أفق استحقاقات أكبر.
وتضم الفرق العاملة على هذا المشروع نخبة من المخرجين والمهندسين والتقنيين المغاربة الذين صقلوا مهاراتهم عبر سنوات من العمل على تغطية أحداث وطنية ودولية كبرى. طاقات شابة تمتزج فيها الحماسة بالاحترافية، وخبرات مخضرمة تنقل المعرفة للأجيال الصاعدة.
ريادة مغربية على المستوى القاري
يحمل هذا الحدث بُعداً يتجاوز الجانب التقني ليعكس الدور الريادي الذي بات يضطلع به المغرب في المشهد الإعلامي الإفريقي. فالمملكة تُقدم نفسها اليوم كمنصة إقليمية قادرة على إنتاج وبث المحتوى الرياضي بأعلى المعايير، في خدمة القارة بأسرها.
وتفتح هذه التجربة آفاقاً واعدة للتعاون مع التلفزيونات الإفريقية الشقيقة، سواء من خلال تبادل الخبرات أو عبر برامج تكوينية مشتركة. رسالة واضحة مفادها أن التميز الإعلامي الإفريقي ممكن، وأن الكفاءات المحلية قادرة على منافسة الكبار.
محطة على درب مونديال 2030
تتجاوز هذه البطولة بُعدها الرياضي لتشكل اختباراً حقيقياً استعداداً لكأس العالم 2030 التي سيحتضنها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال. كل مباراة تجربة، وكل بث مباشر فرصة لصقل الجاهزية. فرجال العرايشي يدركون أن التاريخ يُكتب من الآن.
وستشكل الدروس المستخلصة من هذه البطولة أرضية صلبة لتطوير الأداء واستدراك أي ثغرات قبل الموعد العالمي. خمس سنوات تفصلنا عن المونديال، وكل يوم يمر هو فرصة للتحسين والتجويد.
خلال الكان، ستتابع إفريقيا والعالم بطولة قارية بإنتاج مغربي خالص. لحظة فارقة تُجسّد قدرة المملكة على الجمع بين التميز الرياضي والريادة الإعلامية. وتؤكد أن SNRT لم تعد مجرد مؤسسة إعلامية عمومية، بل قاطرة حقيقية للإشعاع المغربي على الصعيدين القاري والدولي.