في الحلقة التي ظهر فيها محمد أوزين على منصة “نوافذ” التي يقدمها الصحافي أسامة الطويل، لم يكن السياسي المغربي بصدد الإدلاء بزلة لسان عابرة، ولا تقديم رأي قانوني خاضع للنقاش. كان، ببساطة، يعيد هندسة اللغة لتناسب لحظة من البلاغة المجانية التي تعفي المتحدث من أي مسؤولية. أن يُختزل ملف ثقيل يتعلّق باتهامات بالاتجار بالبشر والاغتصاب ومحاولة الاغتصاب إلى “سوء تقدير”، فهذا ليس تعليقاً سياسياً، بل تمرين حيّ على فنّ تبييض الجرائم بلغة مسالمة وناعمة، تجعل من الجريمة حدثاً قابلاً للتفاوض البلاغي.
ما فعله أوزين في الدقيقة 17:27 من ذلك اللقاء ليس سوى تمرين نموذجي على التواطؤ اللفظي، وعلى صياغة سياسية تسعى إلى تهوين الثقل الأخلاقي للقضية، لا عبر تفنيد التهم أو نقد القضاء، بل من خلال تقديم توصيفات تُسحَب من قواميس الأعذار والمبررات: “خطأ”، “سوء تقدير”، وربما، في حلقة لاحقة، “تسرّع”. نحن لا نطلب من أوزين أن يصدر حكماً، لكنه عندما يختار هذه الكلمات، فهو يُصدر فعلاً رسالة سياسية غاية في الخطورة: أن هناك ما هو قابل للتطبيع حتى في أكثر الجرائم فظاعة، ما دام اللفظ مموّهاً والنبرة هادئة.
الخطورة ليست فقط في المسّ بمشاعر الضحايا، أو في إرسال إشارة قاتلة لأي امرأة تُفكر في التبليغ، بل في بناء مناخ عام يُفرغ الأفعال من معناها. نحن أمام إعادة تعريف كاملة للفعل الجنائي، يتم فيها نقل الاعتداء من خانة الجريمة إلى خانة “الحادث”، من المحكمة إلى الاستديو، من العدالة إلى الرأي. والنتيجة؟ ترسيخ تدريجي لفكرة أن القضايا الجنائية يمكن اختزالها في جمل عابرة، وأن العنف الجنسي ليس بالضرورة عنفاً، بل ربما مجرّد “تقدير خاطئ”.
ما يجب أن يُقال هنا واضح وبسيط: لا توجد شجاعة في تمييع الكلام. الشجاعة الحقيقية أن تطالب بحقوق الضحايا، وتتجنب التواطؤ مع قاموس يُحوّل الجريمة إلى “موقف”، والضحية إلى تفصيل، والمجتمع إلى جمهور متفرج يُطلب منه ألا يُفرط في الحساسية. نعم، اللغة مسؤولية، لا سيما حين تصدر عن سياسي، لأن الكلمات التي تُقال في الأستوديو قد تتحول لاحقاً إلى سياسة عمومية على يد أوزين، أو إلى لا مبالاة جماعية، وهي الأخطر.
إن ما اقترفه أوزين ليس “تحليلاً” سياسياً، بل مشاركة في صياغة خطاب يُبيّض الفظاعة ويُخفّف وطأتها، ويعيد قولبة الجريمة لتبدو مألوفة، قابلة للهضم، ولا تستحق التوقف. هذا النوع من الخطاب هو ما يدفع المجتمع إلى فقدان حسه الأخلاقي بالتدريج، إلى أن يأتي يوم تصبح فيه الجرائم مجرد خلفية صوتية لا تثير الانتباه. وعندها، لن تكون الكارثة في ما وقع، بل في كوننا طبعنا معه.