نظم مركز مصالحة، الجمعة 26 دجنبر 2025، بالسجن المحلي سلا، في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز إعادة تأهيل السجناء وترسيخ مقاربة إنسانية شمولية في تدبير قضايا التطرف، حفلا اختتاميا لفعاليات الدورة الثامنة عشرة من البرنامج التأهيلي «مصالحة»، بالتزامن مع إعطاء انطلاقة الدورة التاسعة عشرة، في محطة جديدة تعكس استمرارية هذا الورش الوطني الرائد ونجاعته.
وشكل هذا الحفل مناسبة للاحتفاء بتخرج 22 نزيلا من مستفيدي الدورة 18، والإعلان عن انطلاق الدورة 19 بمشاركة 24 نزيلا، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي للمستفيدين من البرنامج منذ انطلاقه سنة 2017 إلى 436 نزيلا مدانين في قضايا التطرف والإرهاب، في مؤشر دال على اتساع نطاق هذا المشروع الإصلاحي وتأثيره المتنامي.
وفي كلمته بالمناسبة، أكد عبد الواحد جمالي الإدريسي، منسق مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، أن برنامج «مصالحة» يشكل مسارا متكاملا لتصحيح الفكر ومراجعة الرؤية تجاه الذات والمجتمع والنص الديني، كما يمثل فرصة حقيقية للتشبع بقيم المواطنة والانخراط الإيجابي في النسيج الاجتماعي المتضامن.
وأبرز أن المؤسسة تضطلع بدور محوري في مواكبة المستفيدين بعد الإفراج عنهم، بما يضمن عودتهم الآمنة والمطمئنة إلى المجتمع.
من جهته، شدد هشام الملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، على أن بلوغ البرنامج دورته الثامنة عشرة يؤكد نجاحه واستمراريته، ويعكس مكانته كنقطة ضوء في السياسة الجنائية المعاصرة، التي تدعو إلى تبني عدالة تصالحية تقويمية ذات بعد إنساني.
وأوضح أن البرنامج يستند إلى مرتكزات أساسية، قوامها المصالحة مع الذات، ومع القاعدة الدينية، ومع المجتمع، ومع القاعدة القانونية، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى اعتماد سياسة جنائية عصرية تعزز كرامة النزيل وتفتح آفاق إعادة الإدماج.
وفي شهادات مؤثرة، عبّر مستفيد من البرنامج عن الأثر العميق الذي تركه «مصالحة» في مساراتهم الشخصية والفكرية، مؤكدين أنهم استفادوا من تكوين علمي وأكاديمي رفيع المستوى، شمل الجوانب الحقوقية والقانونية والنفسية والاجتماعية والسوسيو-اقتصادية.
وأبرز أن البرنامج مكنهم من فهم سليم للنص الديني ينبذ التطرف والعنف، ويعزز قيم التسامح والوطنية والتشبث بثوابت الأمة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وخلال الحفل، تم تقديم عرض فني متميز من إبداع النزلاء، تمحور حول الذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء المظفرة، وحمل دلالات قوية على الاعتزاز بالقضية الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، مع الإشارة إلى القرار الأممي 2797.
كما تم عرض شريط فيديو وثّق أبرز مراحل تنفيذ الدورة 18، التي امتدت على مدى ثلاثة أشهر ونصف من التكوين والتأهيل المكثف.
وبمناسبة إطلاق الدورة 19، ألقى رئيس مركز مصالحة كلمة افتتاحية، أكد فيها أن البرنامج التأهيلي مخصص للنزلاء الذين أبدوا رغبة صادقة في مراجعة الذات وإعادة الاندماج في المجتمع، مشيرا إلى أن هذه الدورة هي السابعة تحت إشراف المركز، الذي أحدث تنفيذا للتعليمات الملكية السامية.
وأوضح أن البرنامج يقوم على مفهوم المصالحة بأبعادها الثلاثة: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النص الديني في إطار المرجعية الدينية للمملكة، والمصالحة مع المجتمع عبر تمكين المستفيدين من المهارات والكفاءات اللازمة لبناء مشاريع ذاتية ومجتمعية ناجحة.
وأضاف أن البرنامج يولي أهمية خاصة للتوعية بالحقوق والحريات الأساسية التي يكفلها دستور المملكة، وبالتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية المتعلقة بمكافحة التطرف والإرهاب، مع إخضاع المشاركين لتقييم مستمر لضمان التفاعل الإيجابي وتحقيق الأهداف المسطرة.
كما توقف رئيس المركز عند البرامج الموازية التي تم تنظيمها هذه السنة، من بينها برنامج المحاضرات العلمية الذي استفاد منه 345 نزيلا، وبرنامج التثقيف بالنظير الذي شمل أكثر من 22 ألف نزيل في قضايا الحق العام، إلى جانب إشراك خمسة نزلاء سابقين من خريجي «مصالحة» في نقل تجاربهم، في مبادرة نوعية تعزز المقاربة المغربية في مكافحة التطرف على الصعيد الدولي.
وشهد الحفل حضور شخصيات ومؤسسات وازنة، من بينها الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والكاتب العام للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومنسق مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، إلى جانب ممثلي وزارة العدل، ورئاسة النيابة العامة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، وخبراء وأساتذة مؤطرين.
ويؤكد استمرار برنامج «مصالحة» وتوسّعه، بما راكمه من نتائج ملموسة، أن التجربة المغربية في مجال إعادة تأهيل المدانين في قضايا التطرف تمثل نموذجاً رائداً يجمع بين الأمن والفكر والإنسان، ويجسد رؤية متبصرة تجعل من الإصلاح وإعادة الإدماج ركيزة أساسية لبناء مجتمع متماسك وآمن.