في خطوة أثارت اهتمام الرأي العام المغربي وفتحت باب التحليلات السياسية على مصراعيه، أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش يوم الأحد 11 يناير 2026، عزوفه النهائي عن الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار. وجاء القرار خلال اجتماع المكتب السياسي للحزب، واعتبره مراقبون لحظة مفصلية في المشهد الحزبي المغربي، ليس فقط بسبب توقيته الحساس قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، بل أيضاً لما يحمله من دلالات سياسية تتجاوز البعد التنظيمي.
قرار أخنوش، الذي أعلن التزامه بالنظام الأساسي للحزب الرافض لتجاوز ولايتين متتاليتين، جاء مبرراً برغبة في تعزيز ثقافة التداول داخل التنظيم السياسي، ورفضاً لما سماه “الزعامات الخالدة”. ورغم الطابع القانوني للقرار، إلا أنه لا يمكن فصله عن السياق السياسي الوطني، خصوصاً أن أخنوش يظل في موقعه كرئيس للحكومة حتى نهاية الولاية الحالية، ما يجعله في قلب المشهد التنفيذي إلى حدود الانتخابات التشريعية المرتقبة في سبتمبر 2026.
وخلف القرار داخل الحزب نوعاً من الارتباك التنظيمي، لا سيما في ظل غياب شخصية بارزة مرشحة بشكل واضح لخلافة أخنوش، ووجود فترة زمنية ضيقة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع لعقد مؤتمر استثنائي في 7 فبراير 2026 بمدينة الجديدة. هذا الوضع يضع “التجمع الوطني للأحرار” أمام تحدٍّ كبير لاختبار نضجه الداخلي، وقدرته على تدبير مرحلة انتقالية سلسة دون أن يتأثر تماسكه التنظيمي والانتخابي.
على المستوى الوطني، اعتبر كثير من المتابعين أن أخنوش، المعروف بثقله الاقتصادي والسياسي، أرسل من خلال هذا القرار رسالة سياسية قوية، مفادها احترام القوانين الداخلية وتقديم المصلحة الحزبية والمؤسساتية على الطموحات الشخصية. هذا التوجه يضعه في تناقض ملحوظ مع توجهات بعض القيادات الحزبية الأخرى التي اختارت تعديل القوانين لتمديد ولاياتها، كما هو الحال مع حزب الاتحاد الاشتراكي.
وتظهر أبعاد القرار أيضاً في سياق استراتيجي أوسع، إذ يُرجّح أن أخنوش يسعى لتركيز جهوده في السنة الأخيرة من ولايته الحكومية على إنجاز المشاريع الكبرى، خاصة المرتبطة بالرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، إلى جانب تنزيل النموذج التنموي الجديد. ويشير بعض المحللين إلى أن قراره قد يكون محاولة استباقية لفصل العمل الحزبي عن العمل الحكومي، وتجنب تداخل الصلاحيات أو تضارب المصالح المحتمل، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات.
من جهة أخرى، لا يُستبعد أن يُمهّد القرار لخروج تدريجي من المشهد السياسي التنفيذي، سواء من خلال العودة إلى عالم الأعمال الذي نشأ فيه وحقق فيه نجاحاً كبيراً، أو من خلال لعب أدوار أخرى في الكواليس، مثل الوساطة الاقتصادية أو الاستشارة في ملفات كبرى تهم المغرب دولياً، خاصة أن لأخنوش شبكة علاقات واسعة في الأوساط المالية والدبلوماسية.
أما الحزب، فإن نجاحه في تجاوز هذه المرحلة الحرجة رهين بقدرته على إنتاج قيادة جديدة تحظى بشرعية داخلية وشعبية خارجية، قادرة على الحفاظ على المكتسبات التي حققها خلال رئاسة أخنوش، وعلى خوض الانتخابات المقبلة بنفس الزخم السياسي والتنظيمي. فالمؤتمر الاستثنائي المرتقب لا يمثل فقط موعداً تنظيمياً لانتخاب رئيس جديد، بل اختباراً فعلياً لمستوى التحول الديمقراطي داخل الحزب، ومدى تجاوزه لفكرة “الزعيم الواحد”.
ورغم ما يبدو من احترام مؤسساتي في خطوة أخنوش، إلا أن بعض الأصوات المنتقدة ترى أن القرار جاء متأخراً، وأنه لا يمحو الملاحظات التي طالت أسلوب تدبيره للحزب والحكومة خلال السنوات الماضية. فقد وُجهت له انتقادات تتعلق بضعف التواصل مع الرأي العام، وتغليب منطق التكنوقراط على البعد السياسي في اتخاذ القرار، فضلاً عن استمرار ارتباط صورته بالمصالح الاقتصادية الكبرى، ما أثار تساؤلات حول حدود الفصل بين المال والسلطة في تجربته. كما اعتبر البعض أن قراره بعدم الترشح جاء اضطرارياً أكثر منه اختيارياً، بالنظر إلى تراجع شعبية الحزب في بعض الأوساط، والتحديات الداخلية المتزايدة التي باتت تهدد تماسكه.
قرار أخنوش بعدم الترشح لولاية ثالثة قد لا يكون نهاية لمسيرته السياسية، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تركيزاً واستراتيجية، سواء داخل المشهد الحكومي أو خارجه. وإذا استطاع الحزب أن يدير هذا الانتقال دون خسائر تنظيمية، فإن التجربة قد تتحول إلى مرجع في مسار تطور الممارسة الحزبية بالمغرب، بما يعزز صورة أخنوش كفاعل سياسي يحترم قواعد اللعبة ويؤمن بتداول السلطة.