قال عبدالسلام الصديقي، الخبير الاقتصادي والوزير السابق، إن سنة 2026 تشكل محطة مفصلية في المسار السياسي للمغرب، معربا عن أمله في أن تكون سنة التناوب الديمقراطي الحقيقي عبر صناديق الاقتراع، في سياق عام يتسم بتفاؤل أكبر مقارنة بالسنة الماضية، ويحمل مؤشرات إيجابية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وأضاف الصديقي، في مقال رأي، أن هذا التفاؤل تغذيه مجموعة من العوامل البنيوية، في مقدمتها التساقطات المطرية الغزيرة التي همّت مختلف مناطق المملكة، وأسهمت في الرفع بشكل كبير من نسبة ملء السدود إلى مستوى غير مسبوق منذ بداية العقد، ما يبشر بسنة فلاحية استثنائية، وانعكاسات اقتصادية واجتماعية إيجابية.
وأكد الوزير السابق أن التنظيم الناجح لكأس الأمم الإفريقية الجارية وضع المغرب في صلب الاهتمام القاري والدولي، مبرزا حسن ضيافة الشعب المغربي والقدرات التنظيمية العالية للمملكة، معتبرا أنه بغض النظر عن النتائج الرياضية، فإن المغرب سيخرج رابحا من هذه التظاهرة القارية.
وأشار عبدالسلام الصديقي إلى أن سنة 2026، تتزامن أيضا مع نهاية الولاية الحكومية الحالية، مبرزا أن الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل يجب أن تندرج ضمن هذه الدينامية الإيجابية، وأن تفرز خريطة سياسية تعكس الرأي العام الحقيقي وتستجيب للانتظارات المتعددة للشعب المغربي، ولاسيما فئة الشباب.
وأضاف أن المغرب حقق مكاسب مهمة منذ تجربة “التناوب التوافقي”، وخاصة منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، حيث شهدت البلاد خلال ربع قرن تحولات عميقة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا في المقابل أن مسار التطور لا يكون خطيا، بل يفرز تناقضات جديدة تفسر استمرار عدد من الإشكالات البنيوية.
وأكد الصديقي أن العامل السياسي يظل حاسما في معالجة هذه الاختلالات، موضحا أن تحليل التكوين الاجتماعي المغربي يكشف عن غياب تناغم واضح بين البنية الاقتصادية والبنية السياسية، إلى حد باتت فيه هذه الأخيرة تشكل عائقا أمام استمرارية التنمية الاقتصادية، وهي فجوة اتسعت، بحسبه، خلال الولاية الحكومية الحالية التي وضعت الإشكالية السياسية والديمقراطية في حالة جمود.
وأضاف أن هذا الوضع ليس معزولا عن طبيعة الحكومة الحالية، التي يقودها رجال أعمال يحملون تصورا نفعيا للسياسة، حيث تصبح السياسة في خدمة رأس المال بدل خدمة المواطن، وهو ما يستدعي البحث عن خيار سياسي بديل أكثر انسجاما مع متطلبات التنمية الشاملة.
وأشار الوزير السابق إلى أن هذا الخيار يتمثل في الإعداد لتناوب حقيقي على السلطة، تقوده أغلبية يسارية تعددية، قادرة على تنفيذ التوجيهات الملكية، وتلبية انتظارات الطبقات العاملة والشباب، وإعادة البلاد إلى مسار التقدم الاجتماعي بالتوازي مع التنمية الاقتصادية.
وأضاف عبدالسلام الصديقي أن المغرب مدعو اليوم إلى الانتقال من منطق “التناوب التوافقي” إلى منطق “التناوب الديمقراطي” عبر صناديق الاقتراع، وفق دستور 2011، الذي يوفر، بحسبه، جميع المقومات القانونية والمؤسساتية لبناء دولة حديثة وديمقراطية، قائمة على فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأكد أن الإشكال لا يكمن في النص الدستوري، بل في ضعف تطبيقه، مشيرا إلى أن العديد من القوانين تعرف خروقات منهجية في مناخ من الإفلات من العقاب، رغم وضوح الفصل الأول من الدستور الذي ينص على أن نظام الحكم بالمغرب ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية.
وشدد الصديقي على أن المغرب في حاجة إلى نفس ديمقراطي جديد يعيد الزخم الحقيقي للحياة السياسية، ويضع حدا لحالة “البريكولاج” السائدة، عبر تجديد قواعد اللعبة السياسية بما يضمن تكافؤ الفرص والشفافية.
وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تحمل جميع الأطراف لمسؤولياتها، مبرزا أن الإدارة تتحمل مسؤولية محورية في سير العملية الانتخابية، بالنظر إلى حضورها الواسع وإمكاناتها الكبيرة، داعيا إلى تحليها بالحياد والنزاهة والمعاملة المتساوية لجميع الفاعلين السياسيين.
وأكد أن الأحزاب السياسية مطالبة بدورها باعتماد معايير واضحة وأخلاقية في اختيار مرشحيها، منتقدا استمرار منطق الاعتماد على المال وشبكات النفوذ، خاصة داخل بعض الأحزاب المحسوبة على اليمين، حيث يتم، بحسبه، تغليب القدرة المالية والعلاقات المشبوهة على الكفاءة والنزاهة.
وأشار الوزير السابق إلى أن المواطن يظل الحلقة الأساسية في إنجاح التغيير الديمقراطي، داعيا إلى المشاركة المكثفة في التصويت، ومؤكدا أن العزوف الانتخابي لا يخدم سوى أعداء الديمقراطية.
وختم عبدالسلام الصديقي بالتأكيد على أن وحدة اليسار تشكل المدخل الأساسي لمواجهة هيمنة المال على الحياة السياسية، معتبرا أن اليسار، بحكم تاريخه المرتبط بالنزاهة والاستقامة، مطالب بتجاوز تشتته المزمن، والتوحد حول مشروع واضح، يسمح بتحويل الاستياء الشعبي إلى قوة انتخابية قادرة على إحداث تحول حقيقي في المشهد السياسي المغربي، مبرزا أن التغيير الديمقراطي يظل ممكنا.