في خطوة غير مسبوقة، وجّه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال جلسة عمومية بمجلس النواب يوم الاثنين، رسالة سياسية قوية حملت دلالات واضحة، اعتبرها متابعون سحباً للبساط أساساً من تحت أقدام زميله في الحكومة فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وذلك بخصوص ما يُنسب إليه من إنجازات على رأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، سواء على مستوى المنتخبات الوطنية أو البنيات التحتية. كما طالت هذه الرسالة، بشكل غير مباشر، باقي مكونات الجامعة وقطاعات حكومية أخرى، ما فتح باب التساؤل حول خلفيات هذه الخرجة وتوقيتها، وما إذا كانت مرتبطة بمستقبل أخنوش السياسي واحتمال انسحابه من المشهد العام.
في السياق السياسي، لا تأتي التصريحات اعتباطاً، ولا يُستدعى الخطاب الأخلاقي دون غاية، كما أن التوقيت لا يكون بريئاً من الحسابات. ومن هذا المنطلق، فإن تعقيب رئيس الحكومة خلال جلسة 19 يناير 2026، وخاصة استحضاره للرسالة الملكية الموجهة إلى المنتخب الوطني، يوحي بوجود اختلال أو توتر داخل مكونات الحكومة، وربما بصراع نفوذ داخل دوائرها.
تصريح أخنوش بالحرف: «أنا قريت وتمعنت في الرسالة الملكية للفريق الوطني… وباش حتى واحد فينا ما يمشي غالط هذ المجهود ديال واحد الرجل، واحد السيد، هو جلالة الملك»، اعتُبر رسالة مباشرة لا تحتمل كثيراً من التأويل، خصوصاً مع استعماله لعبارة «حتى واحد فينا» التي تُستخدم عادة داخل الدوائر الضيقة، وتعزيزها بتعبير «ما يمشي غالط»، ما يعكس وجود مخاطَب محدد داخل نفس الفريق الحكومي.
وبناءً على ذلك، يرى مراقبون أن الخطاب كان موجهاً بالأساس إلى فوزي لقجع، ليس فقط بصفته وزيراً منتدباً، بل أيضاً كرئيس للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في ظل ما راكمه من إنجازات رياضية ورصيد رمزي وشعبية واسعة. وفي منطق الفعل السياسي، يُقرأ هذا التراكم باعتباره تحوّلاً في موازين التأثير، وهو ما قد يكون مصدر انزعاج لرئيس الحكومة.
وتثير هذه التصريحات علامات استفهام عديدة حول مستقبل التحالف الحكومي، والتوازنات الداخلية بين مكوناته، فضلاً عن الأسلوب الذي اعتمده أخنوش في تدبير هذا الخلاف المفترض. فبدلاً من خطاب مؤسساتي يعزز الانسجام الحكومي ويكرّس مبدأ النجاح الجماعي، تم اللجوء إلى توظيف مضامين الرسالة الملكية في سياق يخدم حسابات داخلية، ويُفهم منه تصفية غير مباشرة للحسابات.
كما أن استحضار الرسالة الملكية بهذا الشكل لا يخلو من توظيف سياسي، إذ إن الرسائل السامية تُوجَّه عادة لتوحيد الصف الوطني وتأطير اللحظات المفصلية، لا لاستخدامها في صراعات النفوذ بين الفاعلين. وعندما تُستعمل في سياق شدّ وجذب سياسي، فإنها تُحمَّل بدلالات تتجاوز مقصدها الأصلي.
ولا يستبعد بعض المهتمين أن يكون استدعاء أخنوش للرسالة الملكية مؤشراً على وجود ترتيبات أو تطورات تُدار في الكواليس، لها علاقة بمستقبله السياسي والحزبي، وربما بوزن فوزي لقجع داخل معادلة النفوذ، ما دفعه إلى اعتماد أسلوب التلميح بدل المواجهة المباشرة، والإيحاء بدل التصريح.
وفي المقابل يعتبر البعض الآخر أن عزيز أخنوش لم يقضد الإساءة إلى فوزي لقجع، وإنما هناك حملة قوية سياسية وحزبية، تستهدف أخنوش، وتسير نحو تفضيل شخص على آخر، في حين أن الجهود التي بذلها فوزي لقجع داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تبقى، في جوهرها، خارج الحسابات الحكومية الضيقة، إذ أُنجزت في إطار التوجيهات السامية للملك محمد السادس، وبعيداً عن أي توظيف حزبي.
كما أن مداخلة رئيس الحكومة، في شقها المتعلق بالرياضة، حسب الطرح ذاته، جاءت منسجمة مع باقي تدخلات الفرق البرلمانية، وهدفت أساساً إلى تهدئة حالة الغضب التي عاشها الشارع المغربي خلال كأس أمم أفريقيا، في ظل ممارسات عدائية صدرت عن أطراف نعلم أن بعضهم يُفترض فيهم روح الأخوة، إضافة إلى تثمين مجهودات الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم دون أي خلفية سياسية.
لكن في المقابل، ذهب آخرون إلى أن الإجماع الوطني تحت قيادة جلالة الملك، لا نقاش حوله، غير أن أخنوش، لم يتعامل مع إندازات كرة القدم كما منجزات أخرى، حيث لا يتوانى عن نسبة الأوراش الملكية التي أطلقها الملك محمد السادس إلى إنجازات حزبية خلال فترة رئاسته للحكومة. فصحيح أن المؤسسة الملكية هي المحرك الأساسي لمسار التنمية، لكن هناك أيضاً رجالات دولة يطبقون التوجيهات الملكية بدقة ويجتهدون ليكونوا عند حسن ظن الملك. ومن بين هؤلاء، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، الذي أبان عن كفاءة عالية في إنجاح هذه التظاهرة الرياضية الكبرى، وساند المنتخب الوطني في مختلف مبارياته، وكان حاضراً إلى جانب اللاعبين لرفع معنوياتهم.