يضع الخبير الاقتصادي والوزير السابق عبدالسلام الصديقي الرأسمالية أمام محك تاريخي حاسم، متتبعا مسارها منذ نشأتها الأولى بوصفها قطيعة تقدمية مع النظام الإقطاعي، وصولا إلى تحولاتها الراهنة التي أفرزت تناقضات عميقة تهدد تماسكها من الداخل.
فالرأسمالية، كما يذكّر الكاتب، في مقال رأي، لعبت دورا لا يمكن إنكاره في تحرير البشر من علاقات الاستعباد القديمة، عبر تكريس الملكية الخاصة وحرية المبادرة، وفرض قيم جديدة قوامها الحرية الفردية والسوق المفتوحة.
غير أن هذا النظام، الذي توسع وتعمق على مدى قرون، لم يلبث أن انقلب على وعوده الأولى.
ينطلق الصديقي من تفكيك الأسس الإيديولوجية للرأسمالية، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن مجموع المصالح الفردية يساوي بالضرورة المصلحة الجماعية، وأن احترام قواعد السوق كفيل بإثراء الجميع.
لكن الوقائع، في نظره، كذّبت هذه العقيدة. فمنذ القرن التاسع عشر، ومع بروز الإمبريالية بوصفها “المرحلة القصوى للرأسمالية”، تحولت آلية البحث المحموم عن الربح إلى أداة هيمنة ونهب منظم لثروات الشعوب غير الرأسمالية، سواء عبر التبادل غير المتكافئ أو من خلال الاستعمار المباشر وتقسيم العالم بين القوى الكبرى.
ويؤكد الكاتب أن الليبرالية المتوحشة، التي حصرت هدف النظام الاقتصادي في تعظيم الربح، لم تنقذ الرأسمالية بل ساهمت في كسرها من الداخل.
لذلك، يدعو إلى إعادة تركيب النظام الاقتصادي على أسس جديدة تدمج إلى جانب الشركات الخاصة مؤسسات غير ربحية، وتعترف بدور الدولة، والنقابات، والمدرسة، والمجتمع المدني، والعدالة، باعتبارها قوى جماعية لا غنى عنها لتحقيق التوازن.
فالعالم، كما يراه الصديقي، لا يمكن أن يستقيم إذا ظل الربح هو القيمة المهيمنة الوحيدة.
وفي هذا السياق، يتوقف الكاتب عند أسباب “الديمومة الغريبة” للرأسمالية وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها، رغم أزماتها المتكررة، مسلطا الضوء على الدور الفكري الحاسم لرموز النيوليبرالية، وعلى رأسهم فريدريش هايك وميلتون فريدمان.
فهايك، في كتابه الشهير “طريق العبودية” (1944)، قدّم أطروحة مفادها أن تدخل الدولة يقود حتما إلى العبودية، وهي أطروحة استخدمت كسلاح أيديولوجي ضد سياسات الصفقة الجديدة لروزفلت، رغم أن تلك السياسات أنقذت الولايات المتحدة من الكساد العظيم بفضل الاستثمار العمومي.
أما فريدمان، فقد عمّق هذا التوجه عبر “مدرسة شيكاغو”، مؤثرا بعمق في سياسات ريغان وتاتشر، ومكشوفا الوجه السلطوي لبعض أشكال الليبرالية حين قدّم المشورة لنظام بينوشيه بعد الإطاحة الدموية بأليندي.
ولا يتردد الصديقي في الربط بين هذا الإرث النيوليبرالي وصعود “الترامبية” بوصفها أحد أكثر أشكال الرأسمالية انحرافا.
فترامب، في نظره، لا يحمل أي فلسفة سياسية متماسكة، بل يمارس منطق “البيع والشراء”، متلاعبا بالرسوم الجمركية، ومدافعا عن الرأسمالية الرقمية والأوليغارشية المالية، دون اكتراث بقيم المنافسة أو محاربة الاحتكار.
إنه نموذج يغني الأغنياء، ويفكك التنظيم، ويرفض فرض الضرائب على الأثرياء، ولا يسعى إلى الرفاه العام بل إلى حماية امتيازات المحظوظين.
ويحذر الكاتب من إغراء هذا النموذج لبعض القادة، معتبرا أنه لا يمكن أن يشكل أفقا تحرريا للشعوب التي تطمح إلى العدالة الاجتماعية والكرامة.
فالمشهد، كما يصفه، كارثي، ويستدعي تعبئة كل قوى التقدم والمفكرين الأحرار للدفاع عن السلم العالمي، والتضامن بين الشعوب، والعدالة الاجتماعية والجيلية.
ويختم الصديقي بالتأكيد على أن معركة اليوم هي ضد انحراف تاريخي خطير، يتمثل في إثراء المليارديرات على حساب الحقوق الأساسية للكادحين واستعباد الشعوب، داعيا إلى استعادة جوهر السياسة بوصفها فعلا جماعيا يهدف إلى رفاه الجميع، لا مجرد خطابات تعاطف فارغة.