أكد الخبير الاقتصادي والوزير السابق عبدالسلام الصديقي أن “الميزانية الاقتصادية التوقعية 2026” الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تشكل وثيقة مرجعية مهمة لفهم وضعية الاقتصاد المغربي، مبرزًا أن أهم ما يميزها هو انتقال التحليل من مقاربة ظرفية قصيرة الأمد إلى رؤية هيكلية طويلة الأمد تمتد لأكثر من عقدين.
وقال الصديقي إن الاقتصاد المغربي أبان عن أداء إيجابي على مستوى المؤشرات الاقتصادية الكلية، في انسجام مع توقعات بنك المغرب ووزارة الاقتصاد والمالية، معتبرا أن هذا التحسن مدعاة للاعتزاز، لكنه شدد في المقابل على أن استمراريته تظل رهينة بتصحيح الاختلالات البنيوية التي تعيق انتقال المغرب من بلد ذي دخل متوسط إلى اقتصاد صاعد ذي دخل مرتفع.
وأوضح أن العجز التجاري يظل من أبرز هذه الاختلالات، مشيرا إلى أن الانفتاح الاقتصادي لم يمكن المغرب من الاستفادة الكاملة من فرص الاندماج في الاقتصاد العالمي، بل أدى في كثير من الأحيان إلى تعميق التبعية، كما تؤكده المعطيات طويلة الأمد التي أوردتها المندوبية السامية للتخطيط.
وأكد الصديقي أن تحليل مكونات النمو خلال الفترة ما بين 2000 و2024 يكشف عن اختلال واضح في بنيته، حيث ساهم الطلب الداخلي بشكل كبير في النمو، في حين ظلت مساهمة الطلب الخارجي الصافي سلبية، ما حدّ من إمكانيات النمو الاقتصادي.
وقال إن هذا الوضع يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في التبعية البنيوية للاقتصاد الوطني، والتحسن المحدود لمؤشر القدرات الإنتاجية، وضعف مؤشر التعقيد الاقتصادي.
وأوضح أن معدل اختراق الواردات تضاعف أكثر من مرتين خلال ربع قرن، منتقلا من 21.2 في المائة سنة 2000 إلى 46.4 في المائة سنة 2024، وهو ما ساهم في اتساع العجز التجاري، رغم التطور الملحوظ الذي عرفته الصادرات.
وأضاف أن هذا التطور لم ينعكس بالشكل الكافي على معدل التغطية، الذي ظل شبه مستقر خلال العقدين الأخيرين.
وقال الصديقي إن مؤشر القدرات الإنتاجية، رغم تحسنه بين عامي 2000 و2024، لم يسمح بتحقيق قفزة نوعية في العرض القابل للتصدير، مبرزا أن استمرار تركيز الصادرات حول عدد محدود من المنتجات يحدّ من تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
وأكد في السياق ذاته أن مؤشر التعقيد الاقتصادي يكشف عن بطء في تنويع وتعقيد الصادرات المغربية، حيث تراجع ترتيب المغرب خلال السنوات الأخيرة مقارنة بدول مماثلة مثل مصر وتونس، وهو ما يعكس محدودية التحول الهيكلي للنسيج الإنتاجي.
وأوضح الصديقي أن هذه الاختلالات البنيوية تفسر الأثر الضعيف للاستثمارات الكبرى على الاقتصاد والمجتمع، مبرزا أن جزءا مهما من هذه الاستثمارات يعود بالنفع على الخارج عبر الواردات المرتبطة بالمعدات والخدمات الهندسية.
وقال إن تحقيق التنمية لا يقاس فقط بتسريع إنجاز مشاريع البنية التحتية، بل بمدى تحول الاقتصاد، وتعقيد هياكله الإنتاجية، وتحسين مستوى عيش المواطنين.
وأكد في ختام تحليله أن المغرب، رغم التقدم المحقق، لا يزال مطالبا بمزيد من التواضع والعمل لتسريع التحول الهيكلي، باعتباره المدخل الأساسي لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحقيق تنمية مستدامة وشاملة.