حين تتحول الأمطار إلى “منجز حكومي”… من يتحمّل كلفة الفيضانات؟

وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري
وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري

اعتبر الموقع الرسمي لحزب التجمع الوطني للأحرار أن الارتفاع الأخير في التساقطات المطرية يندرج ضمن إنجازات الحكومة، التي يقودها رئيس الحزب، عزيز أخنوش، معزياً ذلك إلى ما وصفه بـ“التدبير الاستباقي” لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري.

وجاء في عنوان رئيسي على موقع حزب الأحرار: “البواري: تدبير استباقي للموسم الفلاحي يحقق مؤشرات إيجابية ويرفع التساقطات بـ54% وملء السدود إلى 58%”.

وإذا كان الحزب يتبنّى، سياسياً وتواصلياً، الشق الإيجابي للتساقطات المطرية لما لها من أثر مباشر على الموسم الفلاحي والأمن الغذائي، رغم أنها لا علاقة لها لا بهذه الحكومة ولا غيرها، وإنما هي نتيجة لأحوال الطقس، والتحولات المناخية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، هل يتبنّى الحزب والحكومة أيضاً الشق السلبي لهذه التساقطات، وما خلّفته من خسائر إنسانية واجتماعية في عدد من المدن، خاصة القصر الكبير ومناطق واسعة من شمال المملكة، حيث هُجّرت أسر من منازلها واضطرت إلى العيش في الخيام؟

وزير الفلاحة، أحمد البواري، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الاثنين، قدّم معطيات دقيقة حول الموسم الفلاحي، مؤكداً أنه يندرج في سياق مناخي صعب طبعته سبع سنوات متتالية من الجفاف وشح الموارد المائية، لكنه يحمل في الوقت ذاته مؤشرات انفراج وصفها بـ“الحقيقية”. وأبرز أن الوزارة اعتمدت مقاربة استباقية شملت توفير البذور المدعمة، والأسمدة، والتأمين الفلاحي، وتدبير مياه الري، إلى جانب مواكبة ميدانية للفلاحين.

وبالأرقام، أوضح الوزير أحمد البواري، أن المعدل التراكمي للتساقطات، إلى غاية 2 فبراير 2026، بلغ حوالي 360 ملم، بارتفاع قدره 54 في المائة مقارنة مع المعدل السنوي لثلاثين سنة، و25 في المائة مقارنة مع الموسم الفارط، كما ارتفعت نسبة ملء السدود المخصصة للفلاحة إلى حوالي 58 في المائة، مقابل 25 في المائة فقط خلال السنة الماضية.

غير أن هذه الأرقام، على أهميتها الفلاحية والاقتصادية، تفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود الخطاب السياسي عندما يتم تقديم ظواهر طبيعية، كالأمطار، ضمن خانة “الإنجازات الحكومية”، دون استحضار كلفتها الاجتماعية عندما تتحول إلى فيضانات، وانهيارات، وتشريد للأسر الهشة، خصوصاً في المناطق التي تعاني هشاشة عمرانية وضعفاً في البنيات التحتية.

فالمنطق السياسي المتوازن يقتضي، إذا ما تم تبنّي نتائج الأمطار الإيجابية، تحمّل المسؤولية أيضاً عن آثارها السلبية، عبر مساءلة سياسات التهيئة الحضرية، وشبكات تصريف المياه، وحماية الساكنة من المخاطر الطبيعية، بدل الاكتفاء بخطاب انتقائي يحتفي بالأرقام عندما تخدم الصورة، ويتجاهل المعاناة حين تصبح عبئاً.

في النهاية، تبقى الأمطار نعمة لا خلاف حولها، لكن تحويلها إلى إنجاز حزبي يظل طرحاً إشكالياً، ما لم يُرفق برؤية شاملة تُوازن بين الفلاحة والإنسان، وبين الأرقام والواقع الميداني، وبين الخطاب السياسي والمسؤولية الاجتماعية.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts