تشهد المملكة المغربية خلال الأيام الأخيرة موجة قوية من الاضطرابات المناخية الاستثنائية، تميزت بتساقطات مطرية غزيرة، وهبات رياح قوية، وارتفاع غير مسبوق في منسوب عدد من الأودية، ما تسبب في تسجيل فيضانات متفرقة بعدد من المدن والأقاليم، أبرزها القصر الكبير، سيدي قاسم، تازة، آسفي، ومدن الشمال.
وقد فرضت هذه الوضعية تعبئة شاملة لمختلف السلطات العمومية والأجهزة الأمنية وفرق الوقاية المدنية، من أجل حماية الأرواح والممتلكات، والتخفيف من الخسائر المحتملة، في وقت لا تزال فيه المديرية العامة للأرصاد الجوية تحذر من استمرار الأحوال الجوية المضطربة خلال الأيام المقبلة.
القصر الكبير.. مدينة تحت ضغط الفيضانات واستنفار غير مسبوق
تعد مدينة القصر الكبير من أكثر المناطق تضررا خلال هذه الموجة المطرية، بعدما تسبب ارتفاع منسوب وادي اللوكوس في غمر عدد من الأحياء السكنية بالمياه، وتعطيل شبكة الكهرباء والماء في بعض المناطق، فضلا عن شلل جزئي في حركة السير والحياة اليومية.
وفي مواجهة هذا الوضع، باشرت السلطات المحلية عمليات إجلاء واسعة شملت أحياء بكاملها، من بينها المناكيب، أولاد احميد، الحي الشعبي، الموظفين، وحي العروبة، مع منع الولوج إلى المناطق المهددة كإجراء احترازي لتفادي المخاطر.
كما تم توفير أكثر من 70 حافلة وعدد من القطارات الاستثنائية لنقل المواطنين الراغبين في مغادرة المدينة نحو مدن مجاورة، في وقت تم فيه إحداث مراكز إيواء مؤقتة مجهزة لاستقبال الأسر المتضررة.
وفي بادرة لافتة، ساهمت المديرية العامة للأمن الوطني بوحدتين متنقلتين لإنتاج الخبز، بطاقة يومية بلغت حوالي 6000 وحدة قابلة للرفع إلى 10 آلاف، لضمان تموين الساكنة في ظل إغلاق العديد من المخابز والمتاجر.
ومن جانبه أفاد محمد السيمو، رئيس جماعة القصر الكبير، أن السلطات المحلية تتابع عن كثب تطورات الوضع المرتبط بارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس، في ظل التساقطات المطرية الغزيرة التي تعرفها المنطقة.
وأوضح السيمو، في تصريح صحفي، أن لجنة اليقظة الإقليمية رفعت من درجة التأهب واتخذت مجموعة من التدابير الاحترازية، إخلاء جميع أحياء المدينة من السكان مع قطع الكهرباء والإنترنيت، بهدف حماية المواطنين وتفادي أي خسائر محتملة.
وأضاف المتحدث أن مختلف المصالح العمومية والأجهزة الأمنية تعمل على تأمين تنقل الساكنة نحو مناطق أكثر أمانًا، مشددا على أهمية تعاون الجميع مع التعليمات الرسمية الصادرة عن السلطات المختصة.
ودعا رئيس الجماعة المواطنين إلى توخي الحيطة والحذر، وعدم المجازفة بالبقاء في المناطق المهددة، مؤكدا أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على الأرواح وسلامة السكان.
سيدي قاسم.. إجلاء وقائي قرب واد سبو لحماية السكان والثروة الحيوانية
وفي إقليم سيدي قاسم، تواصلت عمليات الإجلاء الوقائي بعدد من الدواوير القريبة من ضفاف واد سبو، خاصة بجماعتي تكنة والحوافات، حيث تم نقل عشرات الأسر إلى مناطق آمنة ومجهزة.
وقد همت هذه العملية دواوير مثل الحميديين، الدرارسة، العزيب، الصحراوي، وسط تعبئة ميدانية واسعة شاركت فيها القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الوقاية المدنية، القوات المساعدة، والسلطات المحلية.
ولم تقتصر التدخلات على إجلاء السكان فقط، بل شملت أيضا نقل رؤوس الماشية إلى أماكن بعيدة عن مجرى الوادي، بالنظر إلى أهمية الثروة الحيوانية كمورد اقتصادي أساسي للساكنة القروية.
كما أعلنت السلطات عن توزيع مساعدات غذائية على المناطق التي عزلتها المياه بسبب انقطاع المسالك الطرقية.
تازة.. وادي الأربعاء ووادي الدفالي يغمران منازل والسلطات تتحرك عاجلا
أما بمدينة تازة، فقد أدى ارتفاع منسوب مياه وادي الأربعاء ووادي الدفالي إلى غمر عدد من المنازل القريبة من مجرى الوادي، خاصة بحي الملحة.
وأكدت مصادر محلية أنه تم إخلاء 23 منزلا بشكل فوري، ونقل الساكنة المتضررة إلى مراكز إيواء مؤقتة، مع استمرار مراقبة الوضع تحسبا لأي ارتفاع جديد.
وانتقل عامل الإقليم رشيد بنشيخي رفقة مسؤولين أمنيين وممثلي الوقاية المدنية إلى عين المكان، للوقوف مباشرة على التدابير الاستعجالية المتخذة وتقييم المخاطر المحتملة.
مدن الشمال.. تعليق الدراسة وإجلاء مئات الأسر في تطوان وشفشاون والعرائش
وفي شمال المملكة، خصوصا بأقاليم تطوان وشفشاون والعرائش، تم رفع درجة التأهب إلى أقصى مستوياتها بعد صدور نشرات إنذارية حمراء.
وقد قررت السلطات تعليق الدراسة في عدة أقاليم، وإجلاء ما يزيد عن 500 أسرة بإقليم تطوان وحده، مع توفير أكثر من 10 مراكز للإيواء والاستقبال.
وتأتي هذه التدابير في إطار عمل لجان اليقظة الإقليمية التي تتابع الوضع عن كثب، خاصة بالمناطق القريبة من واد مرتيل وواد لاو.
آسفي ومدن أخرى.. أضرار بالبنيات التحتية وتخوف من تكرار السيناريو
وفي وقت سابق، شهدت مدينة آسفي وعدد من المناطق الساحلية اضطرابات مماثلة تسببت في فيضانات موضعية وانجراف بعض المسالك الطرقية، إضافة إلى أضرار بالبنيات التحتية في بعض الأحياء المنخفضة.
كما سجلت مناطق أخرى بالوسط والشمال تساقطات قوية خلفت خسائر مادية متفاوتة، مما أعاد إلى الواجهة إشكالية هشاشة بعض البنيات الوقائية أمام التقلبات المناخية المتزايدة.
تعبئة وطنية وتحذيرات من استمرار التقلبات
وتؤكد السلطات أن الوضع لا يزال يستدعي اليقظة والحذر، خاصة مع توقع استمرار التساقطات الرعدية والثلوج في المرتفعات، مما قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في منسوب الأودية والسدود.
كما دعت السلطات المواطنين إلى تجنب المجازفة بالقرب من المجاري المائية، واحترام تعليمات الإجلاء والتدابير الوقائية، في انتظار تحسن الأحوال الجوية خلال الأيام المقبلة.