فيضانات المغرب: الواقع المناخي يفرض إعادة النظر في تصميم السدود

فيضانات المغرب: الواقع المناخي يفرض إعادة النظر في تصميم السدود

شدد المهندس المعماري رشيد بوفوس على أن المعايير الهندسية الحالية لسدود المغرب صالحة من حيث الإطار العام، لكنها تحتاج إلى مراجعة عميقة للفرضيات والتدابير التقنية لمواكبة التغيرات المناخية، واستيعاب التساقطات المطرية القصوى، وذلك في خضم موجة الفيضانات التي عرفتها عدد من مناطق المملكة خلال الآونة الأخيرة.

وأعادت التساقطات المطرية شديدة الكثافة، المسجلة في مدد زمنية قصيرة، إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول جاهزية البنية التحتية المائية، ومدى ملاءمة المعايير الهندسية المعتمدة في تصميم السدود ومنشآت الحماية من الفيضانات.

وفي هذا السياق، قدم المهندس المعماري رشيد بوفوس قراءة تقنية، من خلال تصريح لموقع «إحاطة.ما»، واضعا النقاش في إطاره العلمي بعيدا عن الأحكام المتسرعة.

وأوضح بوفوس، أن المعايير الهندسية المعتمدة في المغرب صيغت في الأصل وفق قواعد علمية صارمة، وكانت منسجمة مع السياق المناخي والهيدرولوجي الذي ساد لعقود.

غير أن الإشكال، بحسبه، لا يكمن اليوم في «المعيار» في حد ذاته، بل في الفرضيات المناخية التي بني عليها.

فالتغير المناخي، كما يؤكد، فرض نمطا جديدا من التساقطات، يتمثل في أمطار شديدة الكثافة، مركزة زمنيا، وتنتج سيولا سريعة وعنيفة، وهو ما يضعف فرضية الاستقرار المناخي التي اعتمدتها أغلب الدراسات القديمة، ويجعل بعض هوامش الأمان المصممة على أساس معطيات الماضي أقل كفاية في مواجهة أحداث قصوى آخذة في التكرار.

من هذا المنطلق، اعتبر بوفوس أن الإطار الهندسي والتنظيمي لا يزال قائما من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى مراجعة تقنية عميقة في مضمونه، تشمل تحديث معطيات الأمطار القصوى، وإعادة تقييم فيضانات التصميم، وتوسيع هوامش الأمان، مع الانتقال نحو مقاربة قائمة على تحليل المخاطر لا على الأرقام الإحصائية وحدها.

فالتحدي الحقيقي، في نظره، لم يعد يقتصر على احترام النصوص والمعايير، بل أصبح مرتبطا بقدرة التصميم الهندسي على التكيف مع مناخ لم يعد يشبه الماضي.

أما بخصوص الشق المتعلق بكيفية التوفيق بين ضرورة الحفاظ على مخزون مائي استراتيجي بعد سنوات من الجفاف، والحاجة إلى تفريغ استباقي للسدود لتقليص مخاطر الفيضانات، شدد بوفوس على أن الإشكال لا يعالج بقرار ثنائي بسيط.

هندسيا، وفق بوفوس لا يتعلق الأمر بالاختيار بين التخزين أو التفريغ، بل بتحقيق توازن ديناميكي بينهما، عبر ما يسميه «التدبير الذكي والمتدرج للخزانات».

وشرح المتحدث أن هذا التوازن يقوم على ثلاث ركائز أساسية. الأولى تتمثل في اعتماد قواعد تشغيل مرنة بدل منسوب تخزين ثابت، بحيث تحدد مستويات الخزن حسب الموسم ومستوى الخطر، مع الإبقاء على حيز احتياطي مخصص لاستقبال الفيضانات خلال الفترات الحرجة.

أما الركيزة الثانية فتتعلق بالتنبؤ المسبق، من خلال ربط تشغيل السدود بمعطيات آنية حول التساقطات المتوقعة وحالة الأحواض المائية، بما في ذلك رطوبة التربة والتصاريف الصاعدة، وهو ما يسمح بتفريغ استباقي محدود ومدروس، عوض تفريغ متأخر وعنيف قد يفاقم المخاطر في المصب.

الركيزة الثالثة، بحسب بوفوس، تتمثل في الدعم التقني للقرار، عبر الاعتماد على نماذج محاكاة متقدمة، وأنظمة قياس ومراقبة لحظية، تساعد على تحديد توقيت التفريغ وكمياته وتيرته، دون تعريض المناطق السفلى للخطر أو تبديد المخزون المائي الاستراتيجي.

ويخلص المهندس المعماري رشيد بوفوس إلى أن الرهان الهندسي اليوم يتمثل في الانتقال من تدبير جامد للسدود إلى تدبير توقعي ومرن، يجعل منها في آن واحد أداة للتأمين المائي وصمام أمان ضد الفيضانات، اعتمادا على العلم والمعطيات الدقيقة، لا على ردّ الفعل بعد وقوع الخطر.

في هذا الإطار، شهدت الموارد المائية بعدد من سدود المملكة ارتفاعا خلال الـ24 ساعة الماضية، بعد تسجيل واردات مائية ساهمت في تحسين نسب الملء بعدد من المنشآت المائية.

ففي إقليم تاونات، سجل سد إدريس الأول أعلى واردات مائية، حيث تبلغ 27,9 مليون م³، لترتفع نسبة ملئه إلى 79,2%.

وفي إقليم العرائش، عرف سد دار خروفة واردات مائية تصل إلى 25,5 مليون م³، مع بلوغ نسبة الملء 84%.

أما في إقليم أزيلال، فقد سجل سد بين الويدان واردات مائية تبلغ 13 مليون م³، لترتفع نسبة ملئه إلى 49,3%.

وفي إقليم بني ملال، سجل سد أحمد الحنصالي واردات مائية تناهز 11,4 مليون م³، مع بلوغ نسبة الملء 78%.

وفي إقليم سطات، عرف سد المسيرة واردات مائية تصل إلى 10,7 مليون م³، لترتفع نسبة ملئه إلى 16,7%.

كما سجل سد 9 أبريل 1947 بعمالة طنجة-أصيلة واردات مائية تبلغ 10,5 مليون م³، حيث بلغت نسبة الملء 59,8%.

وتعكس هذه المعطيات الأثر الإيجابي للواردات المائية المسجلة، بما يساهم في دعم المخزون المائي، وتحسين وضعية الموارد المائية بعدد من سدود المملكة.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts