كرس رأي حديث لمجلس المنافسة، صورة سوق إسمنت وطني شديد التركز، تهيمن عليه ثلاث مجموعات صناعية كبرى تستحوذ مجتمعة على ما بين 80 و90 في المائة من الطلب الموجه لأوراش البناء، في وقت تتصدر فيه جهة الدار البيضاء-سطات خريطة القدرات الإنتاجية على الصعيد الوطني.
المعطيات الواردة في الرأي حول “السير التنافسي لسوق مواد البناء، سوق الإسمنت نموذجا” تظهر أن البنية الصناعية للقطاع تتمحور أساسا حول شركات LafargeHolcim Maroc وCiments du Maroc وCiments de l’Atlas، وهي فاعلون مندمجون يسيطرون على الجزء الأكبر من القدرات الإنتاجية والمبيعات.
وتبرز LafargeHolcim Maroc في موقع الصدارة بحصة تقارب 50 في المائة من إجمالي القدرات الوطنية، بطاقة سنوية تناهز 13,5 مليون طن، كما تستحوذ على نحو 54 في المائة من قدرات إنتاج الكلنكر.
وتبلغ القدرة الإجمالية السنوية لمواقع الإنتاج على المستوى الوطني حوالي 27,3 مليون طن من الإسمنت، منها 26,6 مليون طن في حوزة الشركات المندمجة، أي ما يفوق 97 في المائة من الطاقة المتاحة، فيما تتقاسم ثلاثة مراكز طحن مستقلة الحصة المتبقية.
وتعكس هذه الأرقام درجة عالية من التركز البنيوي، يصفها المجلس بأنها تتراوح جهويا بين احتكار ثنائي واحتكار قلة، مع بعض الحالات شبه الاحتكارية بحسب نوع الإسمنت والسوق المستهدفة.
على المستوى الترابي، تتقدم جهة الدار البيضاء-سطات باقي الجهات باحتضانها نحو ثلث القدرات الإنتاجية الوطنية، مستفيدة من تمركز كبار الفاعلين داخل نفوذها، فضلا عن دخول فاعل جديد هو Novacim.
وخلال سنة 2024، وفرت الجهة أكثر من ثلث العرض الوطني من الإسمنت، ما يكرس ثقلها الصناعي وارتباطها الوثيق بدينامية المشاريع الكبرى والبناء السكني.
قناة التوزيع بدورها تعكس ملامح الهيمنة، إذ يتم تسويق الجزء الأكبر من الإسمنت عبر شبكة الموزعين، الذين اضطلعوا سنة 2024 بتصريف حوالي 9,3 ملايين طن، بما يعادل رقم معاملات يفوق 9,9 مليارات درهم.
وتمثل هذه القناة نحو 66 في المائة من الكميات الموزعة وطنيا، وترتفع حصتها إلى 92 في المائة بالنسبة للإسمنت الموجّه لأوراش البناء السكني، ما يجعلها حلقة محورية في معادلة الطلب.
ورغم الاستثمارات المنجزة لتعزيز الطاقة الإنتاجية، يشير التحليل إلى أن معدل استغلال القدرات ظل في حدود 60 في المائة خلال السنوات الأخيرة، وهو مستوى يقيد العرض نسبيا في سوق يتسم أصلا بتركيز مرتفع.
ويرى المجلس أن هذه البنية، وإن كانت سمة عالمية لصناعة الإسمنت بحكم البحث عن وفورات الحجم، قد تطرح مخاطر مرتبطة بإمكانية تنسيق السلوك السعري، خاصة في ظل تجانس المنتجات وشفافية الأسعار.
في المحصلة، يكشف الرأي عن سوق تقودها شركات كبرى مهيمنة ضمن فضاء جهوي تتصدره الدار البيضاء-سطات، ما يضع تحدي تعزيز المنافسة وتنشيط الطلب في صلب النقاش حول مستقبل القطاع وتوازناته.