تستعد الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية «نارسا» لاعتماد حزمة تعديلات جوهرية في مسار نيل رخصة السياقة، عبر إرساء إطار قانوني محدث يفصل بوضوح بين الشق النظري والتكوين التطبيقي، إلى جانب إحداث منظومة رقمية شاملة لتدبير مختلف الإجراءات المرتبطة بمدارس تعليم السياقة والمترشحين، وفق ما أكدته مصادر متطابقة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المشروع المرتقب عرضه خلال اجتماع يجمع المدير العام لـ الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا”، ناصر بولعجول، بممثلي مهنيي القطاع، ينص على اشتراط اجتياز امتحان قانون السير بنجاح قبل السماح للمترشح بالالتحاق بحصص التدريب العملي. وبهذا التوجه، لن يكون بإمكان المترشح الشروع في القيادة التطبيقية إلا بعد إثبات إلمامه بالقواعد المنظمة لحركة السير، مع برمجة موعد مستقل لاجتياز الاختبار التطبيقي النهائي عقب استكمال عدد الساعات المحددة قانونا.
ويأتي هذا التوجه ضمن مراجعة شاملة تروم تعزيز الشفافية وتقليص التدخلات البشرية في تدبير الامتحانات، من خلال رقمنة مسار المترشح منذ التسجيل إلى غاية الحصول على الرخصة. وفي هذا السياق، يجري التداول بشأن إطلاق منصة رقمية تحت مسمى «Teleservice»، تتيح لمدارس السياقة إيداع الملفات، وحجز المواعيد، وتتبع مراحل المعالجة الإدارية عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل إلى المديريات الجهوية أو مراكز تسجيل السيارات، وهو ما من شأنه تخفيف الأعباء، خاصة بالنسبة للمؤسسات البعيدة عن المراكز الإدارية.
ولا تزال بعض الجوانب التقنية قيد النقاش، من بينها تحديد مدة صلاحية النجاح في الامتحان النظري، سواء كانت ستة أشهر أو سنة، إضافة إلى عدد المحاولات المسموح بها لاجتياز الامتحان التطبيقي. ومن المنتظر أن يتم الحسم في هذه التفاصيل بتنسيق بين الإدارة والهيئات المهنية قبل اعتماد الصيغة النهائية للنظام.
ولا يقتصر الإصلاح على الجانب التنظيمي فحسب، بل يستهدف إحداث أثر ملموس على مؤشرات السلامة الطرقية، إذ يستند الفصل بين المسارين النظري والعملي إلى مقاربة بيداغوجية تفترض أن ترسيخ المعرفة بقانون السير قبل التدريب الميداني يساهم في الحد من السلوكيات الخطرة، ويعزز ثقافة مرورية قائمة على الانضباط والمسؤولية.
وتشير معطيات رسمية سابقة إلى أن نسبة مهمة من حوادث السير تعود إلى عوامل بشرية، من قبيل ضعف استيعاب القواعد أو عدم الالتزام بها، وهو ما يبرر تركيز «نارسا» على أولوية التأهيل المعرفي.
وتستند بعض ملامح المشروع إلى تجارب دول أوروبية تعتمد الفصل الزمني والمؤسساتي بين الاختبارين. ففي فرنسا، يُشترط النجاح في اختبار «كود الطريق» قبل مباشرة التدريب العملي، مع تحديد مدة صلاحية لهذا النجاح، بينما تعتمد إسبانيا مسارا رقميا متكاملا لتدبير المواعيد وتتبع الملفات، مما أسهم في تقليص آجال الانتظار وتحسين مراقبة الحصص التكوينية. كما عززت دول مثل ألمانيا وهولندا آليات الرقابة الرقمية على التدريب التطبيقي للحد من أي اختلالات محتملة.
ويرى مهنيون أن تعميم الرقمنة من شأنه معالجة الإشكالات المرتبطة بالوثائق الورقية وتتبع الحصص، عبر أرشفة المعطيات بشكل إلكتروني يتيح المراقبة الفورية. غير أن نجاح هذا الورش سيظل رهينا بمدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، وتوفير الدعم التقني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حتى تتحول الرقمنة إلى أداة للتبسيط لا إلى عبء إضافي.
وفي حال اعتماد المشروع بصيغته النهائية خلال الأسابيع المقبلة، فإن مسار الحصول على رخصة السياقة سيدخل مرحلة جديدة قوامها تشديد الشروط القبلية للتكوين، وتعزيز الرقابة الرقمية، والاقتراب من النماذج الدولية التي تجعل من الإلمام النظري الصارم قاعدة أساسية قبل الممارسة العملية.