“راماكش” تفتح أبواب عالم جان-فرانسوا فورتو في قلب نخيل مراكش

تفتح «راماكش» في قلب واحة النخيل بمراكش عالما فنيا مختلفا من إبداع جان-فرانسوا فورتو، حيث تتحول المنحوتات والعمارة والطبيعة إلى تجربة غامرة.
راماكش مراكش.. تجربة فنية غامرة في قلب النخيل | إحاطة
Antoine Schneck@

تقدم «راماكش» في قلب واحة النخيل بمراكش تجربة فنية مختلفة، تجمع بين النحت والطبيعة والخيال. ويمنح هذا الفضاء زواره فرصة لاكتشاف أعمال الفنان الفرنسي جان-فرانسوا فورتو بطريقة تتجاوز المشاهدة التقليدية.

ويمتد المنتزه الفني على مساحة تقارب خمس هكتارات، على بعد أقل من 30 دقيقة من وسط مراكش. ويضم مسارا مفتوحا تتداخل فيه المنحوتات الضخمة مع الأشجار والحدائق والهندسات غير المألوفة.

ولا يكتفي الزائر في «راماكش» بالنظر إلى الأعمال من الخارج. فبعض التركيبات تتيح له الدخول إليها والمرور عبر تفاصيلها، ما يحول الزيارة إلى تجربة حسية مباشرة.

وافتُتح «راماكش» أمام الجمهور سنة 2024، بعد أكثر من عقدين من العمل الفني داخل الموقع. وعلى امتداد هذه السنوات، طور فورتو عالما خاصا يستند إلى الذاكرة والطفولة وإعادة اكتشاف المكان.

راماكش مراكش.. حين يتحول الفن إلى تجربة

تختلف «راماكش» عن حديقة منحوتات تقليدية تكتفي بعرض الأعمال في فضاءات مفتوحة. هنا، يدخل الزائر إلى عالم فني متكامل، تتجاور فيه العمارة الغريبة مع الحيوانات العملاقة والحدائق ذات الطابع الحالم.

وتظهر الأعمال على امتداد المسار بشكل غير متوقع. فقد تبرز منحوتة خلف الأشجار، أو تظهر هندسة ضخمة عند أحد المنعطفات، بينما تندمج أعمال أخرى مع النباتات والمساحات المفتوحة.

ويعتمد فورتو في هذا العالم على تغيير الإحساس بالحجم والمسافة والمنظور. لذلك، تبدو بعض البيوت أكبر من المعتاد، بينما تمنح منحوتات أخرى الزائر إحساسا بأنه أصبح داخل عالم مختلف.

وتستند هذه المقاربة إلى علاقة الفنان بذكريات طفولته. فقد جعل فورتو من الماضي الشخصي مادة فنية، ثم أعاد تشكيله في صورة فضاءات وأجسام ضخمة تدعو إلى الدهشة.

ويقول الفنان إن إحساسه في طفولته بأن الأشياء من حوله كانت عملاقة أصبح أحد مصادر إلهامه. ومن خلال أعماله، يحاول استعادة أحاسيس الطفولة التي يرى أنها ما تزال مشتركة بين البشر.

عالم جان-فرانسوا فورتو في قلب النخيل

ولد جان-فرانسوا فورتو في باريس سنة 1964، ودرس في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بالمدينة. وبعد تجارب في مدريد ونيويورك، استقر الفنان في مراكش سنة 1999، حيث أنشأ محترفه وطوّر عالمه الفني الخاص.

ومنذ ذلك الحين، تحولت مساحة المحترف تدريجيا إلى مجال واسع للتجريب. وأنجز فورتو داخلها أعمالا ضخمة وهندسات غير مألوفة وشخصيات ومنحوتات تستعيد عناصر من ذاكرته الشخصية.

كما يحتل اللعب على المقاييس مكانة أساسية في تجربته. فالمنازل تبدو أحيانا أكبر من حجمها الطبيعي، بينما تفرض الحيوانات العملاقة حضورها وسط النباتات والمسارات.

ويمنح هذا التلاعب بالمقاييس الأعمال طابعا قريبا من الحلم. وفي الوقت نفسه، يدفع الزائر إلى إعادة النظر في علاقته بالأشياء التي تبدو مألوفة في حياته اليومية.

ويضم المسار عددا من الأعمال التي أصبحت من أبرز معالم عالم فورتو. ومن بينها «المنزل الساقط من السماء»، و«البيسترو الباريسي»، و«بيت العملاق»، إلى جانب «عش النمل العملاق» وعدد من المنحوتات الحيوانية.

وتظهر كذلك شخصيات هجينة مثل «نانيتوس» و«مينيتوس»، وهي عناصر تنتمي إلى عالم فني أوسع طوّره فورتو خلال السنوات الماضية.

من «المنزل الساقط من السماء» إلى الحيوانات العملاقة

يعد «المنزل الساقط من السماء» من الأعمال اللافتة داخل «راماكش». وتقدم هذه المنشأة تجربة تقلب قواعد العمارة المعتادة، إذ يبدو المنزل مائلا ومنقلبا بطريقة تربك الإحساس بالمكان.

ويستند العمل إلى منزل ارتبط بذكريات عائلية لدى الفنان. لذلك، لا يقدم فورتو البناء باعتباره مجرد شكل معماري غريب، بل يحوله إلى مساحة تستعيد الذاكرة وتعيد ترتيبها بطريقة بصرية.

وبالموازاة مع ذلك، تنتشر في المنتزه منحوتات حيوانية ضخمة. وتضم المجموعة خيولا وفراشات وحشرات وحيوانات أخرى تظهر وسط الأشجار، فتبدو أحيانا كأنها جزء طبيعي من المكان.

وتتكرر هذه العلاقة بين الحيوان والذاكرة في أعمال فورتو. ويستخدم الفنان الأشكال الحيوانية للتعبير عن مراحل من تجربته الشخصية، دون تحويلها إلى أعمال مباشرة أو خطابية.

الفن والطبيعة في مسار واحد

لا تنفصل أعمال «راماكش» عن محيطها الطبيعي. فالمسار نفسه يشكل جزءا من التجربة، بينما تمنح أشجار النخيل والنباتات والمناظر المفتوحة الأعمال سياقا متغيرا.

وبالتالي، لا يكتشف الزائر المنحوتات وفق ترتيب متحف تقليدي. بل يعثر عليها تدريجيا أثناء المشي، ما يجعل كل خطوة قابلة لظهور عنصر جديد في المشهد.

ويمنح هذا الأسلوب الزيارة إيقاعا مختلفا. فبدلا من الانتقال السريع بين قاعات العرض، يتيح المنتزه وقتا للتجول والتوقف وملاحظة التفاصيل.

وتقدم «راماكش» بذلك مسارا يجمع بين الفن والتنزه. كما تستهدف التجربة عشاق الفن والعائلات والزوار الذين يبحثون عن اكتشاف مختلف لمدينة مراكش.

زيارة «راماكش».. معلومات عملية

تستغرق زيارة المنتزه نحو ساعة، وتتم الزيارات وفق نظام الحجز المسبق. كما يرافق الزوار دليل خلال الجولة، ويمكن أن تقدم الزيارة بالفرنسية أو الإنجليزية.

ويفتح «راماكش» أبوابه من الأربعاء إلى الأحد، بين العاشرة صباحا والخامسة مساء. أما آخر موعد للدخول فيحدد عند الثالثة والنصف بعد الزوال، مع تخصيص مواعيد محددة للجولات.

ويقع المنتزه على طريق البليد في اتجاه فاس، داخل واحة النخيل بمراكش. كما يوفر المكان موقفا مجانيا للسيارات، بينما توصي إدارة المنتزه بارتداء أحذية مناسبة للمشي.

وتتجاوز «راماكش» بهذا التصور حدود حديقة المنحوتات التقليدية. فهي تقدم فضاء يلتقي فيه الفن بالطبيعة، وتتحول فيه الذاكرة الشخصية إلى عالم يمكن للزائر دخوله واكتشافه خطوة بعد أخرى.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts