اختارت هيئة الشارقة للكتاب الباحث والأكاديمي المغربي سعيد يقطين شخصية العام الثقافية للدورة الـ45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب. ويأتي هذا التكريم تقديرا لمسيرته البحثية وإسهاماته في تطوير الدراسات السردية العربية.
وأعلنت الهيئة هذا الاختيار، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، احتفاء بمشروع يقطين النقدي والمعرفي. وقد جمع هذا المشروع بين دراسة الرواية الحديثة، وقراءة التراث السردي العربي، وتحليل التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية في الأدب والثقافة.
ويعد يقطين من أبرز الباحثين العرب في السرديات والنظرية الأدبية. وامتدت تجربته النقدية لأكثر من أربعة عقود، ركز خلالها على تطوير أدوات تحليل النصوص السردية. كما وسع اهتمامه ليشمل أشكال السرد القديم والحديث، والنص المترابط، والأدب الرقمي.
سعيد يقطين ومسار بحثي في السرديات العربية
أبرزت هيئة الشارقة للكتاب أن تجربة يقطين تتجاوز حدود التخصص الأكاديمي الضيق. فقد أسهم في بناء مشروع معرفي يربط بين المناهج النقدية الحديثة والتراث السردي العربي. كما تناول في أبحاثه أثر التكنولوجيا في إنتاج الأدب وقراءته وتلقيه.
ونقل بلاغ الهيئة عن رئيسها التنفيذي، أحمد بن ركاض العامري، إشادته بمؤلفات الباحث المغربي. وأوضح أن أعمال يقطين قدمت للمكتبة العربية مراجع أثرت الدراسات السردية والنقد الأدبي. كما ساعدت على تطوير أدوات قراءة الرواية والتراث السردي.
وأضاف العامري أن اهتمام يقطين امتد لاحقا إلى النصوص الرقمية والتحولات الأدبية المرتبطة بالتكنولوجيا. واعتبر أن تكريمه يحتفي بقيمة البحث العلمي، وبالمعرفة التي تتحول إلى مرجع للأجيال ومصدر إلهام للباحثين والكتاب والقراء.
من الدار البيضاء إلى الجامعة المغربية
ولد سعيد يقطين سنة 1955 في الدار البيضاء. وحصل على شهادة الدراسات الجامعية العليا سنة 1988، ثم نال دكتوراه الدولة سنة 1997 من جامعة محمد الخامس بالرباط.
بدأ مساره المهني بالتدريس في المرحلتين الإعدادية والثانوية. وانتقل بعد ذلك إلى التعليم الجامعي بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، ثم بجامعة محمد الخامس في الرباط، حيث عمل أستاذا للتعليم العالي.
وتولى يقطين رئاسة قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط بين سنتي 1997 و2004. كما نسق مجموعة البحث في التراث السردي الأندلسي المغربي. وعمل أيضا أستاذا زائرا في عدد من الجامعات العربية والأوروبية.
وتعكس هذه المحطات امتداد تجربته بين التدريس والبحث والتأطير الأكاديمي. كما شكلت أرضية لتطوير مشروعه النقدي، الذي ربط دراسة النصوص العربية بالمناهج الحديثة.
الرواية والتراث في مشروعه النقدي
بدأت ملامح مشروع سعيد يقطين النقدي تتضح منذ ثمانينيات القرن الماضي. واتجه حينها إلى دراسة الرواية العربية من منظور سردي. واعتمد في تحليلاته مفاهيم مرتبطة بالزمن والراوي ووجهة النظر وبناء الخطاب.
وأسهمت أعماله الأولى في إثراء النقاش النقدي العربي حول المناهج الحديثة. كما ناقشت سبل توظيف هذه المناهج في قراءة النصوص الأدبية. وركزت أبحاثه على فهم آليات السرد، وطريقة تشكل الحكاية داخل النص.
ولم يحصر يقطين اهتمامه في الرواية المعاصرة. فقد وسع أبحاثه لتشمل التراث السردي العربي، خصوصا السير الشعبية وأشكال السرد الموروثة. وسعى إلى استكشاف الصلات بين الأشكال القديمة والحديثة.
كما اهتم ببناء مقاربة نقدية تراعي خصوصية التجربة العربية. وفي الوقت نفسه، انفتح مشروعه على النظريات العالمية في دراسة الأدب. ويشكل هذا التوازن أحد المحاور البارزة في مساره البحثي.
سعيد يقطين والأدب الرقمي
مع توسع تأثير التكنولوجيا في الكتابة والنشر والقراءة، اتجه يقطين إلى دراسة النصوص الرقمية والتفاعلية. وأصبح الأدب الرقمي أحد المجالات الأساسية في مشروعه المعرفي.
وتناول في مؤلفاته أثر الروابط والوسائط الإلكترونية في بنية النص. كما بحث في تأثير البيئة الرقمية على طرق القراءة والتلقي. وطرح هذا التحول أسئلة جديدة أمام النقد الأدبي والمؤسسات الثقافية والتعليمية.
ويعكس هذا الاهتمام انتقال أبحاثه من تحليل الأشكال السردية التقليدية إلى متابعة تحولات الأدب. فقد ربط بين تطور التكنولوجيا وأسئلة إنتاج المعرفة وتداولها. وانتخب سنة 2011 رئيسا لاتحاد كتاب الإنترنت العرب.
أكثر من عشرين كتابا في السرد والنقد
أصدر سعيد يقطين أكثر من عشرين كتابا تناولت السرد العربي القديم والحديث. وتبرز ضمن مؤلفاته أعمال أصبحت مراجع في الدراسات السردية والنقد الأدبي.
ومن أبرز هذه الكتب «تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير»، و«انفتاح النص الروائي»، و«الرواية والتراث السردي». كما أصدر «الكلام والخبر» و«قال الراوي».
وشملت مؤلفاته أيضا «من النص إلى النص المترابط»، و«النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية». وكتب كذلك «الفكر الأدبي العربي: البنيات والأنساق»، و«السرديات ما بعد الكلاسيكية: مسارات واتجاهات».
وتكشف هذه العناوين تنوع اهتماماته البحثية. فهي تجمع بين تحليل الرواية، ودراسة التراث، وتطوير المفاهيم النقدية. كما تمتد إلى أسئلة النص الرقمي ومستقبل الثقافة العربية.
جوائز عربية تقديرا لإسهاماته
حظيت أعمال يقطين بتقدير عدد من المؤسسات الثقافية والعلمية العربية. ونال جائزة المغرب الكبرى للكتاب سنتي 1989 و1997. كما حصل على جائزة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان سنة 1992.
وفاز سنة 2008 بجائزة اتحاد كتاب الإنترنت العرب. وفي سنة 2016، نال جائزة الشيخ زايد للكتاب عن كتابه «الفكر الأدبي العربي: البنيات والأنساق».
كما حصل سنة 2022 على جائزة كتارا للرواية العربية في فئة الدراسات الأدبية. وجاء هذا التتويج عن كتابه «السرديات التطبيقية: قراءات في سردية الرواية العربية». وفي السنة نفسها، نال جائزة الكويت للتقدم العلمي في فرع السرديات.
وتعزز هذه الجوائز حضور مشروعه النقدي في المشهد الثقافي العربي. كما تبرز تعدد مجالات اشتغاله، من السرديات والنقد الأدبي إلى دراسة التحولات الرقمية.
معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ45
يأتي تكريم سعيد يقطين ضمن الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب. وتحل سلطنة عمان ضيف شرف على هذه الدورة، وفق المعطيات التي أعلنتها الهيئة.
وتشارك في المعرض 2673 دار نشر وعارضا من 124 بلدا. كما يتضمن برنامجه 1500 فعالية ثقافية وإبداعية وفنية.
ويمنح اختيار يقطين شخصية العام الثقافية مساحة للاحتفاء بالبحث الأكاديمي العربي. كما يسلط الضوء على دور الدراسات السردية في فهم الأدب وتحولاته. ويجمع مساره بين قراءة التراث، وتحليل الرواية، ومواكبة أثر التكنولوجيا في الثقافة.