توقف سامير يعيد سؤال التكرير وأسعار المحروقات إلى الواجهة

يعيد توقف مصفاة سامير النقاش حول التكرير المحلي والأمن الطاقي وأسعار المحروقات، في ظل استمرار اعتماد المغرب على استيراد المنتجات النفطية.
سامير وأسعار المحروقات

أعاد توقف مصفاة «سامير» عن الإنتاج النقاش حول الأمن الطاقي في المغرب. ومدى تأثير غياب قدرات التكرير المحلية على تأمين حاجيات السوق وأسعار المحروقات. ويتجاوز هذا النقاش مستقبل المصفاة وحده، ليشمل كلفة الاستيراد، وقدرات التخزين، ومستوى المنافسة بين شركات التوزيع.

وتكتسي القضية أهمية اقتصادية واجتماعية بالنظر إلى الدور الذي كانت تؤديه المصفاة في النشاط الصناعي بمدينة المحمدية. إلى جانب ارتباط سوق المحروقات بتكاليف النقل والإنتاج وأسعار عدد واسع من السلع والخدمات.

وفي هذا السياق، يطرح محمد سمامي، عضو النقابة الوطنية للبترول والغاز وباحث في العلاقات المغربية الإسبانية، تساؤلات بشأن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتوقف «سامير».

ويرى أن تقييم هذه التجربة ينبغي ألا يقتصر على الجوانب البيئية أو الصعوبات المالية التي عرفتها الشركة، بل يجب أن يشمل الأمن الطاقي وفرص الشغل والتنمية المحلية.

غياب التكرير المحلي يعيد النقاش حول الأمن الطاقي

أدى توقف «سامير» عن الإنتاج إلى فقدان المغرب قدرة محلية مهمة على تكرير النفط الخام. وأصبح تأمين حاجيات السوق من المنتجات النفطية المكررة يعتمد على الواردات، إلى جانب ما توفره قدرات التخزين وشبكات التوزيع.

وتظهر بيانات وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة حجم هذا الاعتماد. فقد بلغت واردات الغازوال خلال سنة 2025 نحو 6.857 ملايين طن، فيما وصلت واردات البنزين إلى 892 ألف طن، وفق الإحصائيات المنشورة ضمن بيانات المنتجات النفطية المستوردة.

وتوضح هذه الأرقام أهمية الاستيراد في تأمين حاجيات السوق الوطنية. لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مقدار الزيادة في الأسعار التي يمكن نسبتها إلى توقف المصفاة، لأن السعر النهائي يتأثر أيضا بالأسعار الدولية وتكاليف النقل والتخزين والضرائب وهوامش التوزيع.

ومن هنا، يبرز سؤال قدرة التكرير المحلية على الحد من التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية. كما يطرح النقاش أهمية توفير مخزونات كافية، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز قدرة السوق على مواجهة اضطرابات الإمدادات.

أسعار المحروقات وهوامش شركات التوزيع

لا يرتبط تحديد أسعار المحروقات في المغرب بعامل واحد. إذ تتداخل فيه تكلفة شراء المنتجات النفطية من الخارج، وتقلبات الأسعار الدولية، والنقل والتخزين، والضرائب، وهوامش الشركات العاملة في الاستيراد والتوزيع.

وفي تقريره المتعلق بالنتائج المالية لشركات توزيع الغازوال والبنزين برسم سنة 2024. كشف مجلس المنافسة أن الشركات التسع المعنية بالتقرير سجلت نتيجة صافية إجمالية بلغت نحو 2.3 مليار درهم، مقابل رقم معاملات يقارب 77.9 مليار درهم.

كما أشار التقرير إلى أن متوسط الهامش الصافي لكل لتر بلغ 43 سنتيما بالنسبة إلى الغازوال و61 سنتيما بالنسبة إلى البنزين خلال سنة 2024.

وتعكس هذه المؤشرات تطور النتائج المالية لشركات التوزيع المعنية. لكنها لا تمثل وحدها تفسيرا كاملا للأسعار النهائية في محطات الوقود. فالهامش الصافي يختلف عن الهامش التجاري الخام، كما أن المقارنة بين أسعار الشراء والبيع تتطلب مراعاة توقيت الاستيراد وتغير الأسعار الدولية والمصاريف والضرائب.

ويعيد هذا المعطى النقاش حول كيفية انتقال التغيرات المسجلة في الأسواق الدولية إلى الأسعار المحلية. كما يبرز أهمية نشر بيانات واضحة تسمح للمستهلك بفهم مكونات السعر، ومقارنة تطور تكلفة التوريد بهوامش الشركات وأسعار البيع.

المحمدية تواجه تداعيات اقتصادية واجتماعية

لم يقتصر أثر توقف «سامير» على قطاع تكرير النفط، بل امتد النقاش إلى النشاط الاقتصادي والاجتماعي بمدينة المحمدية. فقد كانت المصفاة تشكل قطبا صناعيا يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. ويساهم في تحريك قطاعات مرتبطة بالنقل والخدمات والتجارة.

ويستحضر محمد سمامي هذا الجانب في قراءته لتجربة المصفاة. واعتبر أن العاملين بها لم يكونوا مجرد موظفين داخل شركة. بل جزءا من منظومة اقتصادية أوسع كانت تستفيد منها المدينة ومحيطها.

كما يثير الكاتب أثر توقف المؤسسة على بعض الأنشطة الرياضية المحلية. وفي مقدمتها شباب المحمدية، الذي استفاد تاريخيا من دعم مرتبط بالمصفاة ومرافقها.

ويحتاج تحديد حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى معطيات دقيقة بشأن الوظائف التي فقدت، والأنشطة المرتبطة بالمؤسسة، ومقدار مساهمتها في الاقتصاد المحلي. ومع ذلك، يظل مستقبل الموقع الصناعي وإعادة توظيف قدراته من الملفات التي تهم التنمية الاقتصادية بالمدينة.

البعد البيئي يحتاج إلى تقييم علمي

يتطرق النقاش حول «سامير» أيضا إلى الأثر البيئي لتوقف المصفاة. خاصة في ما يتعلق بمصادر التلوث بمدينة المحمدية. ويشير سمامي إلى أن ظاهرة الغبار الأسود لا يمكن اختزالها في مصدر واحد، مستحضرا دور انبعاثات المحطة الحرارية بعد توقف المصفاة.

غير أن تحديد مصادر التلوث وحجم مساهمة كل منشأة يتطلب بيانات قياس بيئية وتقارير تقنية مستقلة. ولا تكفي الملاحظات العامة أو تزامن بعض الظواهر مع توقف منشأة صناعية لإثبات العلاقة السببية بصورة نهائية.

لذلك، يظل نشر نتائج القياسات البيئية ومقارنتها عبر فترات زمنية مختلفة ضروريا لتقييم أثر الأنشطة الصناعية على جودة الهواء. كما يساعد هذا النوع من المعطيات على بناء سياسات بيئية توازن بين حماية صحة السكان واستمرار النشاط الاقتصادي.

مستقبل التكرير والتخزين في المغرب

يعيد ملف «سامير» طرح الخيارات المتاحة لتعزيز الأمن الطاقي الوطني، سواء من خلال إعادة تشغيل قدرات التكرير، أو تطوير التخزين، أو تنويع مصادر استيراد المنتجات النفطية.

ولا يقتصر تقييم هذه الخيارات على مقارنة أسعار المحروقات قبل توقف المصفاة وبعده. بل يتطلب دراسة تكاليف إعادة التشغيل والاستثمار والصيانة، والالتزامات المالية والقانونية، وحاجيات السوق، والجدوى الاقتصادية على المدى الطويل.

كما يتطلب الأمر تقييما مستقلا للعلاقة بين المنافسة في سوق التوزيع والأسعار النهائية. فغياب التكرير المحلي يطرح تحديا مرتبطا بالتوريد، بينما تتعلق المنافسة بتصرفات الفاعلين داخل السوق وكيفية انتقال التغيرات في التكاليف إلى المستهلك.

وبين هذين الجانبين، يبقى النقاش حول «سامير» مرتبطا بسؤال أوسع: كيف يمكن للمغرب تأمين حاجياته من المنتجات النفطية، وتقليل تعرضه لتقلبات الأسواق الدولية، وضمان منافسة فعالة تحمي المستهلك وتدعم الاقتصاد الوطني؟

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts