ادريس شحتان
هذه مناسبة أخرى للتذكير بصدور قانون 09.26 الذي يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بعد مطابقة نسخة مشروعه الأخير مع ملاحظات المحكمة الدستورية.
لم يكن صدور هذا القانون ممكنا لولا أن القدر ساق لتنظيم المهنة رجلا آت من دهاليز ظل محيط الكبار من رجالات البلد حيث تعلم حكمة الصبر و ملكة الإنصات و تدقيق المعطيات قبل صياغة مشروع القرار للدفاع عنه أمام المؤسسات الدستورية صاحبة ٱتخاذ القرار و سلطة التشريع.
المهدي بنسعيد ومسار إخراج القانون
الوزير الشاب المهدي بن سعيد الذي تربى في أسرة ملتزمة بالدفاع عن القيم الكونية ليتمكن من ٱمتلاك ثقافة سياسية واسعة أهلته و تؤهله في المستقبل و لو بعد سنوات لنيل شرف ملازمة الكبار بكل المقاييس، فليس عبثا أن تضعه مصالح البروتوكول الملكي في صف الحاضرين في جل أنشطة ولي العهد بٱعتبار مسؤوليته كوزير و حرصه الشديد على التقيد الصارم بالبروتوكول و ٱحترام التقاليد المخزنية في المظهر الخارجي و التحية و الإنضباط. و ليس عبثا أن يكون عضوا للقيادة الثلاثية للحزب الذي ينتمي إليه و تحمله لمسؤولية قطاع الإعلام و ٱنفتاحه على كل مكونات القطاع، فالكفاءات الحقيقية تشق مسارات صقلها لتهييئها لمسؤوليات أكبر في المستقبل.
استكمال تنزيل القانون وتشكيل المجلس
نحن اليوم أمام محطة مفصلية من تاريخ تنزيل التنظيم الذاتي للمهنة، وعلينا الاستفادة من التجربة السابقة ونقائصها واستشراف ما يقوي هذه السلطة الرابعة لتساهم من موقعها في مزيد من دمقرطة الدولة والمجتمع والحقل الصحافي كذلك وضمان وحماية حق المواطن في إعلام متعدد وحر ومستقل وصادق ومسؤول ومهني للقطع مع من اعتاد شراء الصحافة والتحكم فيما ينشر واستخدام بعض المنابر في حروب بالوكالة عنه.
تخطينا بنجاح مرحلة مناقشة عدم دستورية هذا القانون وعدم تعبيره عن كل الحساسيات المهنية لأن صيغته النهائية يجد فيها الكل ذاته، وما علينا إلا أن نمر إلى المرحلة الموالية، وهي استكمال تنزيل مقتضيات القانون بتشكيل المجلس وفق الآجال المنصوص عليها ليتولى هو بدوره داخل الأجل المحدد له استكمال تشكيل اللجان والمصادقة على النظام الداخلي وميثاق أخلاقيات المهنة لمباشرة اختصاصاته من أجل رد الاعتبار للصحافة التي يجب أن تكون رافعة لترسيخ الديمقراطية ببلادنا. وهي مرحلة في غاية الأهمية لأن على حسن تنزيلها يترتب نجاح المجلس في مهامه.
مرحلة جديدة للتنظيم الذاتي للمهنة
أول مهام المجلس القادم تطبيق الشفافية في أعلى درجاتها، وخاصة ما يرتبط بأموال الدعم الذي صرف لكل المنابر وإتاحة اللائحة للعموم، وحينها سيعلم الرأي العام حقيقة بعض ممن يدافع عن استقلالية الصحافة و من اغتنوا من الدعم العمومي وتملكوا به فيلات وشققا، ومن استغله ليترقى به اجتماعيا بارتياد أفخم الفنادق والنوادي والتسوق من أشهر المحلات وشراء أفخم الماركات وفوترة ذلك على حساب مقاولة صحافية يعيش صحافيوها العوز، وسيعلم الناس حقيقة المقاولة الحزبية التي تتخذ لها واجهة صحافية وصارت مأوى (خيرية) للأعمال الاجتماعية للمناضلين الذين يتلقون أجورا من الدعم المخصص للصحافيين المهنيين. هؤلاء حولوا أموالا مخصصة لتطوير المهنة وتحسين أوضاع المهنيين إلى أدوات إثراء لأشخاصهم وعائلاتهم ومقربيهم ومناضلي أحزابهم وشراء الولاء لإدامة سيطرتهم على أحزابهم. يجب أن تكون هذه أول مهمة للمجلس القادم. ألم تكن هذه مطالب المهنيين والرأي العام؟ سنرى من سيرفض أن يرى هذا المطلب النور كاملا بدون نقصان وفي أسرع وقت، نقدره بعد شهور؟
الشفافية أول امتحان للمجلس المقبل
من دعامات الشفافية كذلك التي يتضمنها القانون الجديد نشره للوائح الصحافيين أثناء إعادة تنظيم المجلس لأن المادة 24 تنص على نشرها “تعلق اللائحة الانتخابية بمقر المجلس وتنشر بالموقع الإلكتروني الخاص به، وبكل الوسائل المتاحة، خمسة وثلاثين (35) يوما على الأقل قبل التاريخ المحدد لإجراء الاقتراع”. الانتخاب سيكون وسط فئة الصحافيين ووفق نظام اقتراع سيفرز من تتجمع عليهم إرادة الصحافيين المهنيين عن طريق الاقتراع السري الاسمي وبالأغلبية النسبية في دورة واحدة. والانتداب سيكون وسط الناشرين، وهو انتخاب غير مباشر تتولاه الهيئات الممثلة لهم حسب درجة تمثيليتها ووفق حجمها في التشغيل ورقم المعاملات، ومقابل تحملها لجزء من نفقات تسيير المجلس كما نصت على ذلك المادة 62 “يحدث لفائدة المجلس اشتراك سنوي إجباري يفرض أداؤه على كل ناشر في حدود واحد بالمائة (%1) من أرباحه الصافية”، ناهيك عن الاشتراطات الواجبة في حق هذه الفئة من سلامة الوضعية الجبائية و الوضعية اتجاه صناديق التغطية الاجتماعية و أدائها لأجور العاملين في المقاولة.
وهذه من مستجدات القانون التي تضع عبىء توفير تمويل التسيير على المقاولات الصحافية ليتحقق التنظيم الذاتي وفق القواعد المنصوص عليها دستوريا: ذاتي وديمقراطي ومستقل. والتعيين يخص الهيئات الثلاثة التي يستلزم التنظيم الذاتي وجودها في المجلس، أي: المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
مساواة بين الصحافيين والناشرين
من مستجدات هذا القانون مساواته بين حصة الصحافيين والناشرين، وحرصه على عدم إقامة تمايز تقاطعي بين الفئتين لأن الناشرين هم في الأصل صحافيون مهنيون ذوو خبرة وخاطروا بإنشاء مقاولات صحافية، ومنهم من نجح ويشكل نجاحه ضمانة لاستمرار هذه المهنة بمواصفاتها المهنية وأخلاقياتها.
ومن مستجداته كذلك حرصه على المزاوجة في المسؤولية بين الفئتين لأن المادة 57 تقتضي إن كان الرئيس من الناشرين أن يكون النائب من الصحافيين المهنيين، وبما أن الولاية السابقة تولاها كلها بما في ذلك فترات التمديد صحافي مهني فالمنطق يقتضي أن يتولاها هذه المرة ناشر.
المناصفة وتوزيع المسؤوليات
ومن المستجدات كذلك حرص القانون الجديد على المناصفة باشتراطه في المادة 5 أن يكون ما يقارب نصف السبعة من الصحافيين المهنيين من النساء، و إمكانية تقاسم الرئاسة والنيابة بين الجنسين كذلك (المادة 57).
يطمئن أبو وائل كل المنشغلين به والمهووسين والمنجمين بمصيره مع هذا المجلس بأنه لا طموح له للرئاسة. أبو وائل صاحب مقاولة تأثرت كثيرا -رغم نجاحها- بانشغاله في الجمعية وفي النضال من أجل تسريع إخراج هذا القانون إلى حيز الوجود، وهو غير مستعد لإضافة عبئ إضافي إلى أعباء كثيرة يقتطع وقتا من راحته وراحة أسرته لأداء واجبها. لا يدخل هذا الكلام في باب المنّ أو الشكوى فأبو وائل يجد راحته في هذه الخدمة لجسم انتمى إليه بصدق وحب وأحلى أيام عمره هي التي يرى فيها الصحافيون والصحافة في أفضل وضع.
أبو وائل: لا أسعى إلى رئاسة
المتربصون والمتحسسون أن أبا وائل لن يترشح لرئاسة المجلس. بمجرد استكمال هيكلة المجلس سيتفرغ لمقاولته لاستكمال ما بدأه منذ سنوات، وسيبقى في خدمة الجمعية التي كان لها فضل كبير في تنظيم صفوف الناشرين، وفي استمرار الكثير من المقاولات الصحافية في ظرفية مليئة بالصعاب والإكهات.
لا علاقة بين الجمعية التي هي مؤسسة وفق قانون الجمعيات وبين المجلس الوطني للصحافة الذي ينص قانونه على أنه شخص اعتباري عمومي يتمتع بالاستقلال الإداري والمالي.
المرحلة القادمة تتطلب رئيسا للجميع يقف على مسافة واحدة من الناشرين والصحافيين، وله قدرة على تجسير العلاقة بين الفئتين وبين المجتمع بكل فئاته، وأن يكون محاورا قويا مع كل المؤسسات الشريكة، وهذه مسؤولية المجلس بكل أفراده. وأبو وائل لم يضع إطلاقا الرئاسة ضمن طموحاته لأنه يريد أن يكرس جهده لإنجاح نموذج اقتصادي لمقاولة صحافية قادرة على الحياة بعيدا عن الدعم حتى يقدم المثال أن النجاح ممكن رغم الإكراهات. أبو وائل الريفي يكره أن يُعتبر قطاع الإعلام قطاعا منكوبا كأننا نتسول الدعم و نضايق المعوزين من شعبنا على ميزانية الدعم الإجتماعي و الدعم ينظر إليه كإعانة لقطاع منكوب هش. لقد آن الأوان أن نغير تصورنا للدعم و شروط إعماله من أجل تطوير المؤسسات الإعلامية و الرفع من أدائها خدمة لقطاع له رمزيته عند كل الدول و المجتمعات.
رئيس يجمع الأسرة الإعلامية
فالرئيس المقبل لابد أن يكون محاميا شرسا عن المهنة و مصداقيتها و لا ضير أن يستمع لحكمائها و لو من خارج المجلس من النقابة الوطنية للصحافة المغربية و الفدرالية المغربية لناشري الصحف و الجمعية الوطنية للإعلام و الناشرين و الإعلام العمومي و باقي حكماء المنابر، لأن مرحلة 2026-2030 هي فرصة ذهبية للنهوض بالقطاع، فلنختر من يملك بعد النظر اللازم لإنتصار المهنة..
الصحافة وجه للمغرب، وأبو وائل يكرس اهتمامه بالصحافة الرياضية التي سترافق تنظيم المغرب لكأس العالم القادمة. راكمنا تجربة غنية منذ أكثر من سنتين لوضع حد للفوضى التي تقدم صورة سيئة عن الصحافة والصحافيين.