عبدالسلام الصديقي
حذر عالم الديموغرافيا الفرنسي ألفريد سوفي طوال مسيرته العلمية من المخاطر المرتبطة بارتفاع الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات المواليد.
وكان يرى أن الشيخوخة تقود في كثير من الحالات إلى التراجع والانحدار. بل إلى السقوط النهائي.
كما كان يعتبر أن البنيات الاجتماعية في عدد من المجتمعات لم تعد تمنح الطفل المكانة الكافية، ما يساهم في تراجع الرغبة في الإنجاب داخل الرأي العام.
اليوم، لم تعد هذه التحولات مجرد توقعات نظرية. بل أصبحت واقعا تعيشه الدول المتقدمة، وتمتد آثاره تدريجيا إلى الدول الناشئة والنامية.
ويؤكد هذا الاتجاه ما تسجله المؤشرات الديموغرافية العالمية من انخفاض مستمر في معدلات الخصوبة وارتفاع في نسب الشيخوخة.
تحول عالمي في الخصوبة والسكان
تشير المعطيات الحديثة، بما فيها تقارير المندوبية السامية للتخطيط، إلى أن تراجع الخصوبة أصبح اتجاها عالميا يشمل مختلف القارات، بما في ذلك إفريقيا وآسيا.
وفي حالات قصوى مثل كوريا الجنوبية، انخفض معدل الخصوبة إلى 0.72 طفل لكل امرأة سنة 2023، وهو من أدنى المستويات عالميا.
أما في المغرب، فقد بلغ معدل الخصوبة حوالي 1.97 طفل لكل امرأة وفق الإحصاء الأخير. ورغم أنه أعلى نسبيا من بعض الدول، فإنه يظل دون عتبة تعويض الأجيال المقدرة بـ2.1، ما يعكس تحولا بنيويا في المجتمع.
ولا تقتصر هذه التحولات على الجانب الديموغرافي فقط، بل تمتد إلى أنماط العيش، والتضامن الاجتماعي، وسوق الشغل، والسكن، والعلاقة بين الحياة الأسرية والمهنية، إضافة إلى طبيعة السياسات العمومية المرتبطة بالأسرة.
الأسرة المغربية بين التحول والاستمرارية
يكشف البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025 عن تحولات عميقة مقارنة بسنة 1995. فقد أصبحت الأسرة النووية هي الشكل السائد بنسبة 73% مقابل 61% سابقا. مع تراجع واضح في حجم الأسر وعدد الأبناء.
كما تراجع بشكل ملحوظ نمط الأسرة الممتدة والتعايش بين عدة أجيال داخل نفس المنزل. ويعكس ذلك انتقالا تدريجيا نحو وحدات أسرية أصغر وأكثر استقلالية.
وفي المقابل، ارتفع سن الزواج الأول إلى 26.3 سنة لدى النساء و33.3 سنة لدى الرجال. كما توسعت فترة العزوبية، وتزايدت الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالسكن والدخل وتكاليف الزواج.
تحولات في الزواج والطلاق والعلاقات الأسرية
تظهر المعطيات أيضا ارتفاعا في حالات الطلاق، خاصة خلال السنوات الأولى من الزواج، مع تسجيل نسب أعلى في الوسط الحضري مقارنة بالوسط القروي. كما تتأثر النساء بشكل أكبر بهذه الظاهرة.
وتشير الأرقام إلى أن خطر الطلاق يكون مرتفعا خلال السنوات الأولى، ثم يتراجع تدريجيا مع مرور سنوات الزواج، ما يعكس هشاشة بعض الروابط الأسرية في بدايتها.
الشيخوخة السكانية وتحديات المستقبل
تشكل الشيخوخة السكانية أحد أبرز التحولات في المغرب. حيث ارتفعت نسبة من تفوق أعمارهم 60 سنة من 9.4% سنة 2014 إلى 13.8% سنة 2024. ويتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 22.9% بحلول سنة 2050.
هذا التحول يفرض تحديات كبيرة على مستوى الرعاية الاجتماعية، في ظل تراجع التعايش الأسري التقليدي. واتساع الأسر النووية، وارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل، ما يضعف آليات الدعم العائلي التقليدية.
نحو سياسة عمومية جديدة للأسرة
تؤكد هذه المعطيات أن الأسرة ما تزال تشكل فضاء أساسيا للتضامن ونقل القيم. لكنها تواجه ضغوطا متزايدة تجعلها غير قادرة وحدها على تحمل كل الأعباء الاجتماعية.
من هنا تبرز الحاجة إلى سياسة عمومية متكاملة تقوم على دعم الأسرة. وتطوير الحماية الاجتماعية، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، خاصة لفائدة كبار السن، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية المنزلية ومؤسسات الإيواء.
كما تتطلب المرحلة تعزيز التكامل بين التضامن العائلي والتضامن المؤسساتي، مع دور محوري للدولة في حماية الفئات الهشة ومكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي.
وفي النهاية، تبقى رسالة ألفريد سوفي ذات دلالة قوية: التحولات الديموغرافية لا يمكن تجاهلها، لأنها تفرض نفسها على المجتمعات. وتستدعي سياسات عمومية قادرة على التكيف والاستباق.