أكد الخبير الإيطالي في السياسة الخارجية، جياني لاتانتسيو، أن الخطاب الملكي الذي وجهه الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان، الجمعة 9 أكتوبر 2026، يرسم توجها سياسيا واضحا لتعزيز الطموح الاقتصادي للمغرب الصاعد.
وأبرز أن هذا التوجه يقوم على تنمية شاملة وشراكات دولية ترتكز على المعاملة بالمثل، بما يعزز قدرة المملكة على حماية مصالحها الاستراتيجية.
وأوضح لاتانتسيو، الأمين العام لمعهد التعاون مع البلدان الأجنبية، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الخطاب الملكي يربط الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للبلاد بمتانة الاقتصاد وتماسك المجتمع. كما شدد على أهمية ثقة المواطنين في المؤسسات باعتبارها عنصرا أساسيا في دعم استقرار البلاد ومواصلة مسارها التنموي.
وتتقاطع هذه القراءة مع التوجهات التي عرضها الملك محمد السادس خلال افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة. فقد دعا الخطاب إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة. وربط ذلك بتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
الخطاب الملكي يحدد أربع أولويات داخلية مترابطة
يرى الخبير الإيطالي أن الخطاب الملكي يضع أربع أولويات داخلية مترابطة في صلب المرحلة المقبلة. وتتعلق هذه الأولويات بالتنمية الاقتصادية، وتشغيل الشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز دور الجهات.
ويعكس هذا الترابط، وفق قراءة لاتانتسيو، أهمية الجمع بين تقوية الاقتصاد وتحسين الظروف الاجتماعية. فالنمو الاقتصادي لا ينفصل عن قدرة السياسات العمومية على توفير فرص الشغل والاستجابة لانتظارات المواطنين. كما يرتبط تحقيق التنمية بمدى استفادة مختلف الجهات من المشاريع والاستثمارات.
وفي هذا السياق، أكد الخطاب الملكي ضرورة مواصلة الإصلاحات وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى. وتشمل هذه الاستراتيجيات الأمن المائي والطاقي والغذائي، إلى جانب الإقلاع الصناعي وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
واعتبر لاتانتسيو أن هذه المجالات ترسم مسارا تتقدم فيه جهود التحديث مع حماية المصالح الوطنية. وأوضح أن تعزيز القدرات الإنتاجية وتأمين الإمدادات يتطلبان تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق تنمية أكثر متانة.
وتكتسب هذه الأولويات أهمية في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتزايد أهمية الموارد الاستراتيجية. فالأمن المائي والطاقي والغذائي يرتبط بقدرة الدول على ضمان احتياجاتها الأساسية. كما يتيح تطوير الصناعة والاقتصاد الرقمي توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز فرص التحديث.
ويضع هذا التوجه الاستثمار في القدرات الوطنية ضمن مسار تنموي أوسع. ولا يقتصر الأمر على إطلاق مشاريع جديدة، بل يشمل أيضا توفير شروط استدامتها وربطها بحاجات المواطنين ومتطلبات الاقتصاد.
التنمية الجهوية ركيزة لتقوية الاقتصاد الوطني
يرتبط البعد الاقتصادي في الخطاب الملكي، كذلك، بأهمية العمل الميداني وتحسين تدبير التنمية على المستوى الترابي. فقد شدد الملك محمد السادس على ضرورة الوقوف على المشكلات الفعلية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.
كما ربط الخطاب النهوض بالتنمية المندمجة بتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج. وأبرز أهمية مواصلة مسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، بما يسمح بتقريب القرار من الجهات والأقاليم.
ويضع هذا التوجه مسؤولية تنفيذ البرامج التنموية في صلب المرحلة المقبلة. فنجاح المشاريع لا يرتبط فقط بتحديد أهدافها، بل يتطلب أيضا تجاوز الاختلالات الإدارية التي تعرقل تنفيذها. كما يحتاج إلى نقل الصلاحيات والموارد الضرورية إلى المستويات الترابية المعنية.
وتنسجم هذه المقاربة مع الأولويات الأربع التي حددها لاتانتسيو. فتعزيز دور الجهات يواكب التنمية الاقتصادية، ويساعد على توجيه الاستثمار نحو حاجات المجالات الترابية. كما يتيح ربط السياسات العمومية بانتظارات السكان، خصوصا في ما يتعلق بالخدمات وفرص الشغل.
شراكات أوروبية أكثر توازنا واحتراما للمصالح المتبادلة
على الصعيد الخارجي، أبرز لاتانتسيو أن الخطاب الملكي يركز على حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة وإعادة تحديد شروط التعاون مع الشركاء الأوروبيين. وأشار إلى أن الخطاب سجل التقدم الذي تحقق في إطار هذه الشراكات، لكنه أكد في الوقت نفسه أن النموذج الحالي أصبح متجاوزا.
ويستدعي هذا الوضع، وفق الخبير الإيطالي، إرساء تعاون أكثر توازنا وفعالية، يقوم على احترام المسؤوليات المتبادلة. ويعكس هذا التوجه رغبة المغرب في تطوير علاقاته الدولية على أساس المعاملة بالمثل، بما يضمن توازنا أكبر بين الالتزامات والمصالح.
وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطابه أن المملكة رسخت مكانتها الدولية باعتبارها شريكا مسؤولا وموثوقا، يحرص على الوفاء بالتزاماته. وشدد، في المقابل، على حق المغرب في الحصول على المعاملة نفسها من شركائه.
كما أعلن الخطاب عن إعداد وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، بهدف إرساء توجه جديد للتعاون مع الشركاء. وترتكز هذه الرؤية على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ويمنح هذا التوجه الشراكات الدولية بعدا يتجاوز تدبير الملفات الآنية. فهو يربط التعاون بفرص التنمية والاستثمار، ويؤكد ضرورة احترام المصالح المتبادلة. كما يضع المسؤولية المشتركة في صلب العلاقات التي يسعى المغرب إلى تطويرها.
ومن خلال قراءته للخطاب، يربط لاتانتسيو بين الطموح الاقتصادي للمغرب وقدرته على تعزيز تماسكه الداخلي وتطوير شراكاته الخارجية. ويبرز هذا الربط أن ترسيخ موقع المملكة كقوة اقتصادية صاعدة يتطلب مواصلة الإصلاحات، وتقوية القدرات الإنتاجية، وتحقيق تنمية أكثر شمولا، إلى جانب بناء علاقات دولية أكثر توازنا.