وضع مدير مرصد العمل الحكومي، محمد جدري، نتائج الانتخابات التشريعية أمام قراءة سياسية جديدة. وربط جدري صدارة الأصالة والمعاصرة بعوامل مرتبطة بموقعه داخل الحكومة وطبيعة الحملة الانتخابية.
وتصدر الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعدا من أصل 395. وحل التجمع الوطني للأحرار ثانيا بـ66 مقعدا، يليه الاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعدا.
وفي قراءته لهذه النتائج، اعتبر جدري أن الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية يمثلان أبرز المستفيدين من الاستحقاق. وفي المقابل، سجل تراجع الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية.
جدري يفسر صدارة الأصالة والمعاصرة
يرى جدري أن موقع الأصالة والمعاصرة داخل الأغلبية الحكومية ساهم في الحفاظ على مسافة سياسية مع أداء الحكومة.
وأوضح أن الحزب لم يتصدر واجهة الانتقادات التي طالت الحكومة خلال الولاية السابقة. وبحسب قراءته، ركز الحزب أساسا على القطاعات الحكومية التي كان يشرف عليها وزراؤه.
وأضاف أن هجوم العدالة والتنمية خلال السنوات الخمس الماضية توجه بدرجة أكبر نحو التجمع الوطني للأحرار. كما استهدف هذا الخطاب، وفق جدري، رئيس الحكومة بشكل مباشر.
وبالتالي، يرى المحلل أن ذلك ساهم في إضعاف موقع الأحرار انتخابيا، مقابل استفادة الأصالة والمعاصرة من موقع أكثر راحة.
وأشار جدري، أيضا، إلى استقطاب الحزب عددا من المرشحين خلال الفترة التي سبقت الحملة الانتخابية. واعتبر أن هذه الخطوة ساعدت على تعزيز حضوره في عدد من الدوائر.
كما ربط صدارة الحزب باستقطاب فوزي لقجع، الذي قال إنه منح الحزب زخما إضافيا خلال المرحلة الانتخابية.
العدالة والتنمية يعود بعد تراجع 2021
وفي المقابل، توقف جدري عند عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة بعد تراجعه الكبير في انتخابات 2021.
وحصل الحزب على 54 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، بعدما حصد 13 مقعدا فقط خلال انتخابات 2021. وبذلك، رفع الحزب رصيده بشكل كبير مقارنة بالاستحقاق السابق.
ويرى جدري أن هذه النتيجة تجعل العدالة والتنمية أحد أبرز الرابحين من الخريطة البرلمانية الجديدة. غير أنه يضع الحزب، في الوقت نفسه، ضمن معادلة المعارضة بعد موقفه المعلن من المشاركة في الحكومة المقبلة.
أحزاب تتراجع وأخرى تدخل البرلمان لأول مرة
أما في الجهة المقابلة، فقد سجل جدري تراجع عدد من الأحزاب التي كانت حاضرة بقوة في البرلمان خلال الولاية السابقة.
وتراجع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 34 مقعدا في 2021 إلى 26 مقعدا. كما حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعدا، مقابل 19 للتقدم والاشتراكية.
وفي المقابل، لفت جدري إلى دخول أحزاب جديدة إلى مجلس النواب لأول مرة. وذكر من بينها الإنصاف والوحدة والديمقراطية والديمقراطيين الجدد.
كما توقف عند تحالف اليسار، الذي رفع حضوره من مقعدين إلى ثمانية مقاعد. واعتبر أن هذه النتائج تحمل انعكاسات أيضا على مستوى تمويل الأحزاب الممثلة في البرلمان.
نسبة المشاركة تطرح سؤال العزوف الانتخابي
وبخصوص نسبة المشاركة، اعتبر جدري أن العزوف يمثل أحد أبرز التحديات التي أفرزتها الانتخابات.
وبلغت المشاركة الوطنية 38.02%، وفق النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية. وسجلت هذه النسبة تراجعا مقارنة بـ50.86% في انتخابات 2021.
ويرى جدري أن ضعف المشاركة يمكن أن يؤثر في توزيع المقاعد بين الأحزاب. كما أشار إلى أن بعض الأحزاب كان بإمكانها، وفق تقديره، تحقيق نتائج أفضل مع مشاركة أوسع.
وربط المحلل هذا الوضع بوجود كتلة انتخابية غير منخرطة بشكل كاف في العملية السياسية. كما دعا إلى النظر إلى الاستحقاقات المقبلة من زاوية توسيع المشاركة السياسية.
جدري يحمل الأحزاب مسؤولية جزء من العزوف
وفي هذا الصدد، حمّل جدري الأحزاب السياسية جزءا من مسؤولية تراجع المشاركة. وربط ذلك، خصوصا، بطريقة تدبير الأغلبية الحكومية لخطابها خلال الولاية السابقة.
وأوضح أن أحزاب الأغلبية ظلت تقدم نفسها، طوال خمس سنوات، كتحالف منسجم. غير أن الخطاب تغير، بحسب قراءته، بشكل واضح مع اقتراب الحملة الانتخابية.
وأشار إلى بروز نقاشات حول القدرة الشرائية وتضارب المصالح وغيرها من الملفات. واعتبر أن تغير الخطاب في وقت قريب من الانتخابات أربك صورة الأغلبية لدى جزء من الناخبين.
وبالموازاة مع ذلك، انتقد جدري ضعف النقاش حول البرامج الانتخابية خلال الحملة. ورأى أن الخطاب السياسي اتجه بدرجة أكبر نحو السجال بين القيادات والأحزاب.
التحالفات الحكومية تدخل مرحلة جديدة
ومع انتقال المشهد إلى مرحلة ما بعد النتائج، اعتبر جدري أن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون مهمة سهلة.
وتحتاج الأغلبية البرلمانية إلى 198 مقعدا على الأقل لضمان الأغلبية داخل مجلس النواب. ويملك الأصالة والمعاصرة 97 مقعدا، ما يجعله بحاجة إلى حلفاء لتشكيل الأغلبية.
ويرى جدري أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار التعاون مع التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. ويعني هذا الخيار إعادة تشكيل التحالف الحكومي السابق، لكن بقيادة الأصالة والمعاصرة.
في المقابل، يطرح السيناريو الثاني احتمال خروج أحد الحليفين السابقين إلى المعارضة. وفي هذه الحالة، سيحتاج الأصالة والمعاصرة إلى البحث عن حلفاء جدد لاستكمال الأغلبية.
ويشير جدري في هذا السياق إلى الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. لكنه يلفت إلى أن دخول هذه الأحزاب إلى الحكومة سيبقى مرتبطا بشروطها وبرامجها الانتخابية.
موقف العدالة والتنمية يضيق هامش المناورة
وتزداد صعوبة المشاورات، بحسب قراءة جدري، مع إعلان العدالة والتنمية توجهه نحو المعارضة. كما يضع خروج تحالف اليسار إلى المعارضة خيارات إضافية خارج الأغلبية.
ومن ثم، يرى المحلل أن الأصالة والمعاصرة سيجد نفسه أمام مفاوضات سياسية متعددة الأطراف. وستفرض هذه المفاوضات التوفيق بين الحسابات العددية والمواقف السياسية للأحزاب.
وفي المقابل، حذر جدري من أن انتقال الاستقلال إلى المعارضة قد يخلق معادلة مختلفة. وربط ذلك بإمكانية تقارب مواقف الحزب مع العدالة والتنمية داخل صفوف المعارضة.
وبناء على ذلك، اعتبر أن اجتماع حزبين قويين في المعارضة قد يرفع مستوى الضغط السياسي على الحكومة المقبلة. لذلك، يرى أن تشكيل الأغلبية سيكون من أكثر الملفات تعقيدا في مرحلة ما بعد الانتخابات.
وتبقى هذه السيناريوهات، وفق قراءة جدري، مرتبطة بمسار المشاورات السياسية المقبلة ومواقف الأحزاب المعنية.