كلوروكين ـ عقار أسقط قناع مصالح متوحشة للوبيات الأدوية

فيما أعلنت بريطانيا المصادقة على استخدام دواء ديكساميثازون لعلاج المصابين بكورونا، لا تزال ارتدادات الجدل العالمي بشأن عقار كلوروكين تتواصل، جدل تحول لفضائح تداخلت فيها الاعتبارات العلمية بالمصالح السياسية والمالية.

أعلنت وزارة الصحة البريطانية، في بيان أصدرته يوم الثلاثاء 16 يونيو 2020، اعتماداً على أبحاث واختبارات باحثين من جامعة أوكسفورد، أنها صادقت على استخدام عقار “ديكساميثازون” كـ”أول دواء في العالم ضد فيروس كورونا المستجد ثبت أنه قادر على خفض خطر الوفاة”. وأوضح علماء الجامعة أن اعتماد هذا الدواء لعلاج المرض يخفض خطر الوفاة بين المصابين الذين يتلقون الأوكسجين بنسبة 20%، وبين المرضى الموصولين بأجهزة التنفس الاصطناعي بنسبة 35%.. وجرى تجريب هذا العقار خلال الاختبارات على 2104 مصابين بالفيروس كانوا يتلقون 6 مليغرامات من “ديكساميثازون” يومياً على مدار 10 أيام.

وأضافت الوزارة: “أظهرت اختبارات هذا الدواء، التي موّلتها الحكومة، أنه يخفض بشكل ملموس خطر الوفاة بين المصابين الذين يحتاجون إلى العلاج بالأوكسيجين. تفعل الحكومة كل شيء ممكن لكي يصبح هذا الدواء فوراً متاحاً لكل مؤسسات هيئة الصحة الوطنية وفي كل أنحاء بريطانيا”. وقال وزير الصحة البريطاني، مات هانكوك: “يسرني الإعلان عن أول اختبارات سريرية ناجحة في العالم لعلاج شافٍ من مرض كوفيد 19، هذه الطفرة المذهلة دليل على العمل الرائع الذي يقوم به علماؤنا وراء الكواليس”. ويذكر أن ديكساميثازون دواء رخيص مضاد للالتهابات يستخدم منذ أكثر من ستين عاما. غير أنه لا يزال من السابق لأوانه الحسم في نجاعة هذا الدواء وكيف ستكون ردود فعل الباحثين والخبراء عبر العالم، خصوصاً وأن الجدل بشأن عقار كلوروكينلا يزال حاضراً في الأذهان.

كلوروكين ـ العقار الأكثر شهرة في زمن كورونا

منذ بداية اشتداد جائحة كورونا والجدل محتدم بشأن فعالية عقار هيدروكسيكلوروكين أو رديفه كلوروكين (في هذا المقال سنستعمل الاسمين كمرادفين) لدى مرضى كوفيد 19. لقي هذا العقار شهرة عالمية منذ بداية العام الجاري، حينما نشر باحثون صينيون دراسة أولية تؤكد أن العقار يمكن أن يكون فعالاً ليس فقط ضد الملاريا ولكن أيضا ضد كوفيد 19. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن العالم في الحسم بشكل قاطع بشأن فعالية العقار، خصوصا وأن الجدل زاغ عن منحاه العلمي وأصبح جدلاً سياسياً وأحياناً أيديولوجياً. وبهذا الصدد كتبت بيرغيت هولتسر، محررة الشؤون الصحية في صحيفة “برلينه تسايتونغ” (26 مارس 2020 مقالا أكدت أنه رغم ما توصل إليه الباحثون الصينيون في دراسات سريرية، إلا أن العديد من الأطباء والخبراء لا يزالون يحذرون من مخاطر التسمم والأعراض الجانبية لهذا العقار. كما أن منظمة الصحة العالمية لا تنصح به رسمياً إلى اليوم. وسنرى كيف أن المصدر الصيني للدراسة الأولى كان مشكلاً بالنسبة للعديد من الباحثين الغربيين وساهم في تعقيد الجدل بشأن كلوروكين.

الجدل تحول إلى حرب بالوكالة بين مؤيدي إجراءات الحظر الصحي ضد الوباء ومعارضيه. وقد يكون هذا الدافع الرئيسي الذي جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره البرازيلي يير بولسونارو يدافعون بحماس عن كلوروكين. بل إن ترامب تباهى بأخذ الدواء على سبيل الوقاية من كورونا، قبلا أن يعلن توقفه عن فعل ذلك. أنصار نظريات المؤامرة اعتبروا تكاثر الدراسات غير الدقيقة التي تسعى لإثبات عدم فعالية كلوروكين، مؤامرة كونية من قبل ما يسمى بـ”بيغ فارما” أي الشركات العملاقة لصناعة الأدوية التي تفضل إنتاج عقاقير جديدة مكلفة ومجدية من الناحية المالية، بدلا من استعمال أدوية رخيصة موجودة في السوق منذ عشرات السنين.

هيدروكسيكلوروكين ـ من الملاريا إلى كورونا

هيدروكسيكلوروكين هو دواء رديف ومماثل لكلوروكوين مُتداول في الصيدليات منذ 75 عاماً، يُأخذ عن طريق الفم ضد التهاب المفاصل الروماتويدي وأمراض الكولاجين وكذلك الوقاية من الملارياالمدارية. ومنذ اندلاع جائحة كورونا ظهر اتجاه لدى العديد من الأطباء لاستعمال عقار الملاريا لعلاج مرضى كوفيد 19، لاعتقادهم بأن المكونات النشطة في كلوروكين لها خصائص قد تساعد في القضاء على الفيروس، رغم أن سبب الملاريا ليس فيروسا، وإنما طفيليات تهاجم خلايا الدم الحمراء وتدمرها.

ولكلوروكين ورديفه الأقل سمية هيدروكسيكلوروكوين فعالية أيضا ضد بعض الفيروسات، كفيروس التهاب الكبد من نوع “ب”. وتُعطل المكونات النشطة في الدواء عملية نمو البروتينات في الجسم وهو ما يُعطل بدوره قدرة الفيروس على الارتباط بالخلايا. هذا ماجعل كثير من الأطباء يعتقدون أن العقار قادر على مهاجمة كوفيد 19 أيضا، اعتمادا على دراسات أولية نشرتها الصين بعد تفشي الجائحة فيها.

البروفيسور راوولت نجم عقار كلوروكين بلا منازع

ارتبط الجدل العالمي بشأن عقار كلوروكين باسم البروفيسور الفرنسي ديديي راوولت (78 عاما) الخبير ذو السمعة العالمية، المتخصص في الأمراض المعدية المدارية وأستاذ علم الأحياء الدقيقة في مدرسة الطب بمرسيليا ومعهد الأمراض المعدية بمستشفى جامعة مرسيليا. اكتسب سمعة عالمية بعدما أكد هو وفريقه العثور على علاج فيروس كورونا. وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” بالرجل الواثق من نفسه الذي يحب كسر الأنماط القائمة، ولم يتردد في مقارنة نفسه بمبابي، نجم منتخب فرنسا لكرة القدم. ففي بضعة أشهر، تحول من باحث يحظى بالتقدير إلى نجم عالمي، خصوصاً بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعماله لكلوروكين اعتماداً على وصفة راوولت.

كتبت عنه صحيفة “لوموند” الفرنسية 24 ماي أيار 2020، أنه معادٍ لسياسية إيمانويل ماكرون، رغم أن الرئيس الفرنسي زاره في معقله بالمستشفى الجامعي بمرسيليا. راوولت تحول، ربما بالرغم منه، إلى متحدث باسم الطبقات السفلى في المجتمع ضد النخبة الحاكمة في باريس، وأصبح خلال أسابيع إحدى الشخصيات الفرنسية الأكثر شعبية. بيرغيت هولتسر وصفت كيف يواجه “البروفيسور المتمرد” منتقديه، بإشهار أعداد المرضى الذين عالجهم وكذلك نسبة الوفيات الضئيلة في مرسيليا بالمقارنة مع المناطق الفرنسية الأخرى. أما ميخائيلا فايغل فكتبت في “فرنكفورته ألغماينتسايتونغ” 23 مارس 2020 أن الكثيرين يعتبرون راوولت أحمقاً ومثيراً للمشاكل، فيما يرى آخرون أنه باحث طلائعي يزعج السلطات الطبية في بلاده.

قصة دراسة تحولت إلى فضيحة عالمية

الفضيحة دوًت يوم الخامس من يونيو الجاري، حين أصدرت مجلة “ذي لانسيت” البريطانية، إحدى المرجعيات الكبرى في عالم الطب، بيانا أعلنت فيه سحبها لدراسة نشرتها يوم 22 ماي 2020 كشفت فيها عن أعراض جانبية محتملة خطيرة لاستعمال عقار هيدروكسيكلوروكين على مرضى القلب. كما أكدت أن العقار غير فعال نهائيا ضد كوفيد 19. الدراسة أحدثت حين صدورها ضجة عالمية، دفعت الحكومة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر، إلى منع استعمال العقار ضد فيروس كورونا المستجد.

الدراسة اعتمدت على شركة خدمات تسمى “سورغيسفير” التي جمعت معلومات وقامت بتحليلها باستخدام “البيانات الضخمة”. وسرعان ما انتشرت غيوم من الشكوك حول صدقية الدراسة التي ادعت أنها شملت 15.000 مريض، إضافة إلى ما لا يقل عن 80 ألف ضمن ما يسمى ب”المجموعة الضابطة”. ادعى مؤلفو الدراسة أنه تم تجميع البيانات من 671 مستشفى في ست قارات. بعدها وجهت 146 شخصية علمية، من بينها أطباء وباحثون وخبراء إحصائيون بتوجيه عشر انتقادات رئيسية لمؤلفي الدراسة ما دفع “ذي لانسيت” إلى سحبها على الفور.

انتكاسة غير مسبوقة لمصداقية البحث العلمي

بيانات الدراسة غابت عنها الدقة العلمية، فعلى سبيل المثال، تم الاعتماد على حالات وفاة في المستشفيات الأسترالية بشكل يخالف الحقيقة، أكثر من الحالات المبلغ عنها رسمياً. وبالنسبة لأفريقيا، تم وصف تفاصيل من سجلات طبية إلكترونية لآلاف المرضى بشكل لا يمكن تصوره، بالنظر إلى البنية التحتية هناك. فيرنر بارانترس، محرر الشؤون العلمية في “زوددويتشه تسايتونغ” استشهد بما قاله غيرد آنتيس، مدير مركز كوكرين في مدينة فرايبورغ الألمانية، الذي يُقيم جودة الدراسات الطبية يوم 7 يونيو 2020، الذي أكد أن “الدراما بشأن لانسيت (..) كارثة بكل المقاييس بالنسبة للمجتمع العلمي، بأضرار لا يمكن التنبؤ بها”.

في حوار مع صحيفة “لبيراسيون” الفرنسية 15 يونيو 2020 دعا ريتشارد هورتون، رئيس تحرير مجلة “لانسيت” بعد سحب المقال بشأن هيدروكسيكلوروكين، العالم إلى تعلم الدروس من كارثة كوفيد 19. كما ندد بما أسماه بـ”غطرسة الغرب” تجاه الباحثين والعلماء الصينيين. موقف ساهم، من وجهة نظره في تأخير اتخاذ القرار، ما فاقم حصيلة القتلى في العديد من البلدان. وانتقد بكلمات قاسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متهماً إياه بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”. وكذلك رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي وصف تأخر رد فعله بالعمل “الإجرامي”. الموقع العلمي الألماني “فيسنشافت.دي.إي” أكد في 7 يونيو 2020 أن “المشكلة الرئيسية في الدراسات التي تعتمد “البيانات الضخمة” هي أن تحليلاتها تقوم على سجلات طبية بأثر رجعي وهي غير موثوقة. وبالتالي، فإن نتائجها تٌصنف على أنها متدنية الوثوقية”.

من المختبرات العلمية إلى دهاليز المال والسياسة

انفلت الجدل بشأن كلوروكين من الدوائر الأكاديمية والمختبرات العلمية إلى كواليس السياسة. وتباينت المواقف بين من يرى في العقار، دواء سحرياً ضد جائحة كورونا ومن يعتبره سماً قاتلاً، رغم أن أعراضه الجانبية معروفة تماماً لأنه متاح في صيدليات العالم منذ أكثر من سبعين عاما. وفي خضم هذا الجدل المتناقض، سارعت بعض الدول إلى وضع قيود حول استعماله، فيما استمرت دول أخرى في إعطائه لمرضى كوفيد 19، خصوصاً في المراحل الأولى من الإصابة.

لقد انطلق سباق عالمي من أجل تطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، والشركة التي ستحقق هذا الإنجاز ستحصد الكثير من الأموال. وهناك حالياً ما لا يقل عن 120 مشروعاً بحثياً حول العالم لتطوير لقاح ملائم، من بينها شركات ألمانية كـ”بيونتك” من مدينة ماينز أو “كوريفاك” في توبنغن إلى شركة سانوفي الفرنسية وغلاكسوسميثكلين البريطانية. فالأمر لا يتعلق بإنقاذ حياة ملايين الناس عبر العالم فقط، ولكن أيضا برهانات مالية واقتصادية ضخمة.

Total
0
Shares
المنشورات ذات الصلة