اختتام قمة “كوب27” بعد تحقيق تقدم في اللحظة الأخيرة في الملف الشائك حول “الخسائر والأضرار”

تبنت الدول المشاركة في قمة المناخ “كوب27” في وقت مبكر من صباح يوم الأحد اتفاقا نهائيا جاء بعد مفاوضات عسيرة، وسيتأسس بموجبه صندوق تعويض “الخسائر والأضرار” لمساعدة الدول الفقيرة التي تعاني من كوارث مناخية، لكن الاتفاق لم يعزز جهود معالجة الانبعاثات الغازية الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز) التي تتسبب فيها.

وكاد ملف “الخسائر والأضرار” يُفشل المؤتمر برمته قبل أن تحصل تسوية بشأنه في اللحظة الأخيرة تُبقي الكثير من المسائل عالقة لكنها تقر مبدأ إنشاء صندوق مالي مُحدّد لهذا الغرض.

وستحدد التفاصيل العملانية لهذا الصندوق لاحقاً، بهدف إقرارها في مؤتمر الأطراف المقبل نهاية 2023 في الأمارات العربية المتحدة، مع توقع مواجهة جديدة لا سيما على صعيد البلدان المساهمة إذ تشدد الدول المتطورة على أن تكون الصين من بينها.

مفاوضات متوترة

وبعد مفاوضات شابها التوتر خلال الليل، أصدرت الرئاسة المصرية للمؤتمر النص النهائي للاتفاق ودعت بالتزامن مع ذلك لعقد جلسة عامة للموافقة عليه.

وأقرت الجلسة سريعاً وفي البداية بنداً في النص يؤسس صندوق “الخسائر والأضرار” لمساعدة الدول النامية على تحمل النفقات والتكاليف الفورية لظواهر تحدث بسبب تغير المناخ مثل العواصف والفيضانات.

لكنها أرجأت العديد من القرارات الأكثر إثارة للجدل بشأن الصندوق وحجمه وآلية عمله إلى العام المقبل بما في ذلك من سيدفع التكاليف.

وتقول الدول الفقيرة المعرضة لخطر التغير ا لمناخي والناشطون ألأن الدول الغنية التي تسببت في الجزء الأكبر من تغير المناخ بانبعاثاتها على مدار التاريخ يجب أن تدفع الآن.

وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد رفضا هذا الطرح خشية الدخول في دوامة من الالتزامات. ولكن الاتحاد الأوروبي تراجع عن موقفه لاحقاً خلال المؤتمر، وقال إنه يؤيد تأسيس صندوق بموجب شروط معينة، من بينها أن تدفع فيه الصين، التي تصنفها الأمم المتحدة دولة نامية، لكنها أيضاً ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

وقالت وزيرة المناخ الألمانية جنيفر مورغان، وهي مستاءة بشكل واضح، على الرغم من عدم وجود اتفاق على تخفيضات أكثر صرامة للانبعاثات “جاء الاتفاق بالشكل الذي خرج به هنا لأننا نريد الوقوف مع (البلدان) الأكثر عرضة للخطر”.

وأشاد المندوبون بالإنجاز الذي تحقق في إنشاء الصندوق وذلك بهدف مساعدة البلدان الضعيفة على مواجهة العواصف والفيضانات والكوارث الأخرى التي تغذيها الانبعاثات الهائلة للكربون التي تسببها الدول الغنية.

غير أن هذا الإنجاز رافقه إخفاق في ملف الوقود الأحفوري. فقد كانت القمة التي استمرت أسبوعين بمثابة اختبار لعزم العالم على مكافحة تغير المناخ حتى في الوقت الذي تشتت فيه الحرب الدائرة في أوكرانيا واضطرابات سوق الطاقة والتضخم الحاد الانتباه الدولي عن الأمر.

وتعهدت الدول المشاركة في قمة المناخ، والتي أطلق عليها “كوب أفريقيا”، بأن تسلط الضوء على محنة الدول الفقيرة التي تواجه العواقب الأكثر فداحة لارتفاع درجة حرارة الأرض الذي تسببت فيه بالأساس دول غنية صناعية.

وقال مفاوضون من الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في وقت سابق أنهم قلقون من جهود تهدف لحجب إقرار إجراءات تعزز من اتفاق “كوب26” في غلاسكو الذي تم إقراره العام الماضي.

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه لكون مؤتمر الأطراف فشل في وضع خطة “لخفض الانبعاثات بشكل جذري”، وقال “كوكبنا لا يزال في قسم الطوارئ. نحتاج إلى خفض جذري للانبعاثات الآن وهذه مسألة لم يعالجها مؤتمر المناخ هذا”.

وقالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك في بيان “الأمر أكثر من محبط أن ترى عدداً من أكبر الدول المتسببة في الانبعاثات والمنتجة للنفط تعرقل خطوات تأخرت أصلاً كثيراً بشأن التخفيف من الآثار والتخلي عن مصادر الطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري”.

ولا تسمح الالتزامات الحالية للدول المختلفة بتاتاً بتحقيق هدف حصر الاحترار بـ1.5 درجة مئوية، عما كانت عليه عشية الثورة الصناعية، كما أقره مؤتمر المناخ في باريس عام 2015. وتفيد الأمم المتحدة بأن هذه الالتزامات تسمح بأفضل الحالات بحصر الاحترار بـ2.4 درجة مئوية في نهاية القرن الحالي، لكن مع وتيرة الانبعاثات الحالية قد ترتفع الحرارة 2.8 درجة مئوية وهو مستوى كارثي.

يشار إلى أنه حتى مع بلوغ الاحترار حوالي 1.2 درجة مئوية حتى الآن، كثرت التداعيات الكارثية للتغير المناخي.

ففي العام الحالي، توالت موجات الجفاف والحر والحرائق الضخمة والفيضانات المدمرة ما ألحق ضررا كبيراً بالمحاصيل والبُنى التحتية.

وقد ارتفعت كلفة هذه الظواهر المناخية القصوى بشكل مطرد. فالبنك الدولي قدَّر كلفة الفيضانات التي غمرت ثلث أراضي باكستان على مدى أسابيع بـ30 مليار دولار فيما بلغ عدد المنكوبين الذين فقدوا منازلهم وخربت حقولهم الملايين.

وكما هو الحال في اتفاقيات سابقة، لم يتضمن الاتفاق الجديد أي إشارة لما طلبته دول مثل الهند ووفود أخرى عن التخلي تدريجيا عن “كل أشكال الوقود الأحفوري”.

لكنه دعا بدلاً من ذلك الدول إلى اتخاذ خطوات صوب “الخفض التدريجي لتوليد الطاقة الكهربائية بالفحم والتخلص تدريجياً من الدعم غير الفعال (لأسعار) الوقود الأحفوري” على النحو المتفق عليه في قمة “كوب26” في غلاسكو العام الماضي.

وقالت فرانس تيمرمانس مسؤولة سياسات المناخ في الاتحاد الأوروبي “الكثير جداً من الأطراف ليست مستعدة بعد لتحقيق المزيد من التقدم في مجال مكافحة أزمة المناخ”، ووصفت الاتفاق بأنه “ليس كافياً كخطوة للأمام للشعوب أو للكوكب”.

كما تضمن نص الاتفاق إشارة إلى مصادر “الطاقة منخفضة الانبعاثات” مما أثار مخاوف بين البعض من أنه فتح الباب أمام الاستخدام المتزايد للغاز الطبيعي، وهو وقود أحفوري يسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان.

وقال إسبن بارث إيده، وزير المناخ في النرويج، للصحافيين أن الاتفاق “لا يتعارض بالكامل مع غلاسكو لكنه لا يرفع سقف الطموح على الإطلاق”.

ومارست دول جزرية صغيرة مهددة بارتفاع منسوب مياه البحر بسبب تغير المناخ ضغوطاً من أجل اتفاق الخسائر والأضرار، لكنها أبدت أسفها على الافتقار لأهداف أفضل للحد من الانبعاثات.

الوقود الأحفوري

وقالت أميناث شاونا وزيرة المناخ في جزر المالديف فيما يتعلق بتأسيس الصندوق “أقر بالتقدم الذي تحقق في كوب27″، لكنها قالت للجلسة العامة “أخفقنا فيما يتعلق بتخفيف الآثار… يتعين علينا أن نتأكد من أننا رفعنا سقف طموحنا فيما يتعلق بذروة الانبعاثات بحلول 2025. علينا التخلي تدريجياً عن الوقود الأحفوري”.

وقالت كاثي جتنيل-كيجينر، مبعوثة المناخ من جزر مارشال أنها تشعر “بالإنهاك” لكنها سعيدة بإقرار صندوق الخسائر والأضرار.

وأضافت عبر رسالة إلكترونية “قال لنا الكثيرون هذا الأسبوع إننا لن نتمكن من إقراره. سعيدة جداً بأنهم كانوا مخطئين… (لكن لا زلت) أمني النفس بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. النص الحالي ليس كافيا”.

وأسفت لورانس توبيانا إحدى مهندسات اتفاق باريس للمناخ في 2015 لكون “مؤتمر الأطراف هذا أضعف واجبات الدول في تقديم التزامات جديدة أكثر طموحاً” فيما يتعلق بالتزامات خفض استخدام الطاقة الأحفورية (الفحم والنفط والغاز) المسببة للاحترار التي بالكاد أتت وثائق المؤتمر على ذكرها.

وتم ذكر الفحم، العام الماضي، بعد مناقشات حادة، لكن في شرم الشيخ عارض “المشبوهون الاعتياديون” على ما قال أحد المندوبين، ذكر الغاز والنفط. والمملكة العربية السعودية وإيران وروسيا هي من أكثر الدول التي تذكر في هذا المجال. إلا أن تطوير مصادر الطاقة المتجددة ذكر للمرة الأولى إلى جانب مصادر الطاقة “المنخفضة الانبعاثات” في إشارة إلى الطاقة النووية.

Total
0
Shares
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشورات ذات الصلة