أكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن المغرب راكم مكتسبات مؤسساتية وتشريعية مهمة في مجال مكافحة الفساد. لكنه شدد على أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه المكتسبات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطنون والمقاولات.
وجاءت تصريحات بنعليلو، الجمعة 16 أكتوبر بالرباط، خلال تقديم خلاصات التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025. وأوضح أن الإصلاحات القائمة لا تحقق دائما الأثر المنتظر على جودة الخدمات العمومية والحياة اليومية للمواطنين.
واعتبر رئيس الهيئة أن الفجوة بين النصوص القانونية وواقع تطبيقها تمثل أحد أبرز التحديات التي رصدها التقرير. لذلك، دعا إلى تدقيق مواطن التعثر وربط التدخلات بنتائج واضحة وقابلة للقياس.
بنعليلو يركز على الفجوة بين الإصلاح والواقع
أوضح بنعليلو أن نجاح الإصلاحات لا يقاس بعدد القوانين والمؤسسات التي أحدثتها الدولة. بل يرتبط أساسا بقدرتها على تحسين الخدمات، وضمان الحقوق، وتطوير المعاملات داخل القطاعين العام والخاص.
وأشار إلى أن المواطن ينتظر نتائج ملموسة عندما يلجأ إلى الإدارة للحصول على خدمة أو ممارسة حق. كما ينتظر أن تنعكس الإصلاحات على جودة المعاملات التي ينجزها، وعلى حماية مصالحه في مختلف القطاعات.
ويضع هذا التصور تنفيذ الإصلاحات في صلب تقييم السياسات العمومية المرتبطة بالنزاهة. فإقرار القواعد القانونية والمؤسساتية يشكل مرحلة أساسية، لكنه لا يكفي وحده لضمان تغيير الممارسات أو الحد من مخاطر الفساد.
وسجل التقرير السنوي استمرار تحديات مرتبطة بضعف التنسيق بين المؤسسات والجهات المتدخلة. كما أشار إلى الحاجة إلى تحقيق الانسجام بين السياسات والمبادرات والبرامج المرتبطة بالنزاهة والحكامة.
وأكدت الهيئة أن التجارب الناجحة في مكافحة الفساد تعتمد على التنسيق والتكامل بين المؤسسات. وتشمل هذه المقاربة تبادل المعلومات، وتوضيح المسؤوليات، وتوحيد الجهود حول أهداف مشتركة.
حصيلة الاستراتيجية الوطنية تكشف تعثر التنفيذ
خصص التقرير محورا لتقييم عشر سنوات من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي انتهى أفقها الزمني سنة 2025. وأظهرت الحصيلة تفاوتا بين نسب التقدم المعلنة ومستوى الإنجاز الفعلي للمشاريع المبرمجة.
وبحسب المعطيات التي عرضها بنعليلو، لم تتجاوز نسبة المشاريع المنجزة بالكامل 54 في المائة. وظل 32 في المائة من المشاريع في طور الإنجاز، بينما لم تنطلق 14 في المائة منها رغم انتهاء المدة المحددة للاستراتيجية.
وبلغ متوسط نسبة الإنجاز التي أعلنتها الجهات الحكومية المعنية نحو 76 في المائة. غير أن هذا المؤشر يعكس مستوى تقدم المشاريع، ولا يعني بالضرورة استكمالها أو تحقيقها النتائج المطلوبة.
وتبرز هذه الأرقام، وفق تقييم الهيئة، أهمية التمييز بين تقدم تنفيذ المشاريع وإنجازها الفعلي. كما تطرح أسئلة حول قدرة آليات التنسيق والحكامة على معالجة التأخر وضمان احترام الآجال المحددة.
وتعزز هذه الحصيلة دعوة الهيئة إلى مراجعة طريقة تدبير برامج مكافحة الفساد وتقييم نتائجها. فالمعيار الأساسي لا يتمثل في عدد المبادرات المعلنة، بل في مدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستدام.
استراتيجية جديدة برؤية مندمجة
شكلت سنة 2025 محطة انتقالية في مسار الهيئة، وفق التقرير السنوي. وانتقلت المؤسسة من مرحلة استكمال البناء المؤسساتي إلى إعادة تنظيم تدخلاتها ضمن رؤية أكثر اندماجا.
كما شهدت السنة نفسها بلورة التوجهات المرتبطة باستراتيجية الهيئة الخماسية للفترة 2025-2030. وتهدف هذه المرحلة إلى تعزيز التنسيق وتطوير مقاربة مشتركة لمواجهة تحديات النزاهة والوقاية من الفساد.
وشدد بنعليلو على ضرورة الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى العمل الجماعي المنسق. ويتطلب هذا التحول تعبئة مختلف المؤسسات والفاعلين، مع تحديد الأدوار والمسؤوليات بصورة واضحة.
وتؤكد الهيئة أن مكافحة الفساد لا تقع على عاتق مؤسسة واحدة، بل تتطلب تعاون مختلف المتدخلين. كما تستدعي إدماج النزاهة في القرارات اليومية التي تمس حقوق المواطنين ومصالحهم وتدبير المال العام.
التبليغ الآمن وتكامل المؤسسات ضمن أولويات التقرير
يتناول التقرير السنوي للهيئة عددا من المحاور المرتبطة بتشخيص وضعية النزاهة والفساد في المغرب. كما يقيّم حصيلة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ويبحث سبل تعزيز التكامل بين المؤسسات.
ويخصص التقرير محورا لمعالجة الملفات، وآخر للتبليغ الآمن عن أفعال الفساد. ويعرض كذلك آراء الهيئة وتوصياتها المعيارية، إلى جانب سبل بناء المناعة المجتمعية ضد الفساد.
وتعكس هذه المحاور توجه الهيئة نحو معالجة الظاهرة من جوانب متعددة، تشمل الوقاية والتبليغ والتنسيق المؤسساتي. كما تبرز أهمية إشراك المجتمع في ترسيخ ثقافة النزاهة وتعزيز رفض الممارسات التي تمس المال العام.
ويضع التقرير قياس الأثر الفعلي للإصلاحات ضمن الرهانات المطروحة خلال المرحلة المقبلة. فالمطلوب، بحسب الرسائل التي قدمها بنعليلو، هو الانتقال من إقرار الإصلاحات إلى ضمان تنفيذها وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
ويظل التحدي الأساسي أمام السياسات العمومية هو تقليص المسافة بين الالتزامات القانونية والممارسات اليومية. ويتطلب ذلك تنسيقا مؤسساتيا أكثر فعالية، وتقييما دقيقا للنتائج، وربط البرامج بأهداف واضحة تخدم المواطنين والمقاولات.