الصديقي: النمو الاقتصادي لا يكفي لحل أزمة تشغيل الشباب

يرى الاقتصادي والوزير السابق عبد السلام الصديقي أن النمو الاقتصادي لا يكفي وحده لتشغيل الشباب، داعيا إلى تعزيز العمل اللائق والتكوين والإدماج المهني.
الصديقي: النمو الاقتصادي لا يكفي لحل أزمة تشغيل الشباب

اعتبر الاقتصادي والوزير السابق عبد السلام الصديقي أن النمو الاقتصادي لا يكفي وحده لضمان إدماج الشباب في سوق الشغل.

وأكد أن مواجهة البطالة تتطلب توفير فرص عمل لائقة، وتطوير التكوين، وتحسين قدرة الاقتصاد على استيعاب الأجيال الجديدة.

وأوضح الصديقي، في مقال رأي تحليلي، توصلت جريدة “إحاطة.ما” بنسخة منه حول تشغيل الشباب، أن ارتفاع الاستثمارات وظهور قطاعات اقتصادية جديدة لا يضمنان استفادة الشباب من فرص الشغل. كما شدد على ضرورة الربط بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حتى يتحول النمو إلى تحسن ملموس في ظروف العيش.

وتبرز هذه الإشكالية في المغرب، حيث تتقاطع تحديات التشغيل مع الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويرى الصديقي أن تقليص الفقر متعدد الأبعاد يمثل تقدما مهما، لكنه لا يعوض الحاجة إلى توفير عمل مستقر ومداخيل تضمن العيش الكريم.

الصديقي يسلط الضوء على هشاشة تشغيل الشباب

استند الصديقي إلى معطيات دولية لإبراز حجم التحدي المرتبط بتشغيل الشباب. وأشار إلى أن معدل بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 سنة بلغ عالميا 12,4% سنة 2025، وفق الأرقام التي أوردها في تحليله.

كما تناول نسبة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين. وقدر هذه الفئة بنحو 257 مليون شاب، بما يعادل 20% من الشباب عالميا، بحسب المعطيات التي استند إليها.

ولا تقتصر المشكلة، وفق تحليل الصديقي، على الشباب العاطلين عن العمل. فالحصول على وظيفة لا يضمن بالضرورة الاستقرار المهني أو الحماية الاجتماعية، خصوصا في الاقتصادات التي ينتشر فيها القطاع غير المهيكل.

وأشار الكاتب إلى أن نحو تسعة شباب من كل عشرة يعملون في القطاع غير المهيكل بالبلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. ويبرز هذا المعطى، كما يوضح تحليله، أهمية تحسين جودة فرص الشغل، إلى جانب زيادة عددها.

وتطرق الصديقي أيضا إلى تأثير التحولات التكنولوجية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، على المهن والمهارات المطلوبة. ويرى أن الاستفادة من هذه التحولات ترتبط بمدى ملاءمة التكوين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية مع متطلبات سوق الشغل.

تحد ديمغرافي يضغط على الاقتصادات النامية

حذر الصديقي من اتساع الفجوة بين أعداد الشباب الذين سيدخلون سوق الشغل والوظائف المتوقع إحداثها خلال السنوات المقبلة. واستند في ذلك إلى تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، التي تشير إلى دخول نحو 1,2 مليار شاب إلى سن العمل في البلدان النامية خلال العقد المقبل.

وفي المقابل، يتوقع البرنامج إحداث حوالي 400 مليون منصب شغل خلال الفترة نفسها. ولا تعني هذه الفجوة أن جميع الشباب الذين لن يجدوا وظائف سيصبحون عاطلين، لكنها تكشف حجم الضغط الذي ستواجهه الاقتصادات النامية.

ودعا التحليل إلى عدم حصر إحداث فرص الشغل في القطاعات التكنولوجية المتقدمة. كما أبرز أهمية أنشطة مثل الفلاحة والصناعة والسياحة والصحة والخدمات، إلى جانب المقاولات الصغيرة، نظرا لقدرتها على توفير فرص عمل لفئات واسعة.

وتتداخل هذه التحديات مع عوامل أخرى، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة، والأزمات المناخية، وصعوبة التمويل، والنزاعات التي تعطل الإمدادات. لذلك، يربط الصديقي معالجة البطالة بقدرة الاقتصادات على تنويع أنشطتها وتوسيع قاعدة الإنتاج.

تراجع الفقر متعدد الأبعاد لا يحسم تحديات التشغيل بالمغرب

في المغرب، أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد من 11,9% سنة 2014 إلى 6,8% سنة 2024. كما انخفض عدد الأشخاص المعنيين من نحو أربعة ملايين إلى 2,5 مليون شخص. (hcp.ma⁠)

ويشكل هذا التراجع مؤشرا على تحسن ظروف العيش، لكنه لا يقدم وحده صورة كاملة عن وضعية الشباب في سوق الشغل. فالفقر متعدد الأبعاد والبطالة مؤَشّران مختلفان، وقد تتحسن استفادة الأسر من التعليم والصحة والخدمات الأساسية، بينما يظل بعض الشباب دون عمل مستقر.

ويرى الصديقي أن التحدي المغربي يتمثل في تحقيق تكامل أكبر بين السياسة الاجتماعية والتنمية الإنتاجية. ويشمل ذلك تطوير التكوين المهني بما يستجيب لحاجيات الاقتصاد، وتشجيع المقاولات على الاستثمار وإحداث فرص العمل.

كما يدعو تحليله إلى دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحديث الفلاحة، وتطوير الصناعة والخدمات والابتكار. ويعتبر أن هذه المجالات يمكن أن توسع فرص الإدماج المهني، إذا ارتبطت بسياسات إنتاجية تستجيب لخصوصيات الاقتصاد الوطني.

ويبرز الصديقي أيضا أهمية البرامج الموجهة إلى الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتلقون تكوينا. وتشمل المقترحات العودة إلى الدراسة، والتأهيل المهني، والمواكبة نحو التشغيل، ودعم المبادرات المقاولاتية.

وتتطلب هذه الجهود، بحسب التحليل، مراعاة الفوارق بين الجهات والأقاليم. فالإمكانات الاقتصادية وفرص العمل لا تتوزع بالطريقة نفسها على مختلف مناطق المملكة، ما يجعل تكييف البرامج مع الحاجيات المحلية أمرا ضروريا.

العمل اللائق في صلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية

يؤكد الصديقي أن الرهان لا يرتبط فقط بزيادة عدد مناصب الشغل، بل أيضا بجودتها. فالعمل اللائق، وفق طرحه، ينبغي أن يوفر دخلا مناسبا واستقرارا مهنيا وحماية اجتماعية.

ويربط الكاتب تحقيق هذا الهدف بالاستثمار والتحول الإنتاجي، إلى جانب تحسين التعليم والتكوين المستمر والخدمات الصحية. كما يشدد على أهمية السياسات التي تحد من التفاوتات وتوسع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

ويخلص الصديقي إلى أن إدماج الشباب ينبغي أن يحتل موقعا مركزيا في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للمغرب. فالعائد الديمغرافي لا يتحول تلقائيا إلى مكسب تنموي، بل يرتبط بقدرة الاقتصاد على توفير فرص التعلم والعمل والإنتاج أمام الأجيال الجديدة.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts