عاشت المدينة الحمراء، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، لحظات لا تنسى بعد فوز المنتخب المغربي على هولندا بركلات الترجيح.
وتحولت فرحة مراكش بتأهل المغرب إلى مشهد جماعي واسع، امتزج فيه التوتر الطويل بانفجار عارم للفرح في المقاهي والشوارع والساحات.
وجاء تأهل أسود الأطلس إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 بعد مباراة قوية أمام هولندا بملعب مونتيري في المكسيك.
وانتهى اللقاء بالتعادل بهدف لمثله بعد الوقتين الأصلي والإضافي، قبل أن يحسم المغرب بطاقة العبور بركلات الترجيح بنتيجة 3-2. وسجل إسماعيل الصيباري الركلة الحاسمة التي منحت المغرب تأهلا ثمينا إلى الدور المقبل.
وقبل لحظات الحسم، خيم صمت ثقيل على مقاهي مراكش. كانت العيون معلقة بالشاشات. وكانت الوجوه تتقلب بين القلق والرجاء. ومع كل ركلة ترجيح، كانت المدينة تحبس أنفاسها، كأنها داخل الملعب لا خارجه.
فرحة مراكش بتأهل المغرب تنطلق من المقاهي
ما إن حسم المنتخب المغربي الركلات، حتى تبدل المشهد بسرعة. خرجت الهتافات من داخل المقاهي. ثم امتدت إلى الأزقة والساحات الرئيسية. ورفع المشجعون الأعلام الوطنية، ورددوا أغان اعتاد المغاربة ترديدها مع كل إنجاز جديد لأسود الأطلس.
وتحولت المقاهي، التي عاشت ساعات من الترقب، إلى فضاءات احتفال مفتوحة. تعانق مشجعون لا يعرف بعضهم بعضا. وصفق آخرون طويلا للاعبين. وارتفعت أصوات الزغاريد والهتافات، بينما انطلقت أبواق السيارات والدراجات النارية في شوارع المدينة.
ولم يكن الفرح مغربيا خالصا فقط. فقد انخرط عدد من السياح الأجانب في الاحتفالات. وكان بعضهم قد تابع المباراة داخل المقاهي. وبعد النهاية، شاركوا السكان لحظات الفرح، والتقطوا الصور وسط الحشود والأعلام.
ويعكس هذا المشهد مكانة مراكش كمدينة مفتوحة على العالم. فهي لا تحتفل وحدها بإنجاز المنتخب. بل تفتح أجواءها لزوارها أيضا، وتجعل كرة القدم لغة مشتركة بين المغاربة والأجانب.
من الصمت إلى الانفجار الجماعي
كانت الدقائق الأخيرة من المباراة صعبة على الجمهور. فقد تقدمت هولندا عبر كودي غاكبو في الدقيقة 72. لكن المنتخب المغربي رفض الاستسلام. وعاد في الوقت بدل الضائع عبر عيسى ديوب، الذي فرض التمديد ومنح المغاربة جرعة أمل جديدة.
بعد ذلك، طال التوتر حتى ركلات الترجيح. ومع كل تصد أو إخفاق، كانت مراكش تتفاعل بصوت واحد. ثم جاء الحسم المغربي، لتنفجر المدينة فرحا. لم تعد الطاولات تفصل الناس. ولم تعد الشوارع مجرد طرق عادية. صار كل مكان مدرجا صغيرا للاحتفال.
وعبر عدد من المشجعين، في تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، عن اعتزازهم بهذا التأهل. وقالوا إن المنتخب الوطني أكد مرة أخرى شخصيته التنافسية. كما أبدوا ثقتهم في قدرة اللاعبين على مواصلة المشوار خلال الأدوار المقبلة.
وتحمل هذه الثقة خلفية واضحة. فالمغرب لم يعد يدخل المباريات الكبرى بعقدة الخوف. وقد أثبت، خلال السنوات الأخيرة، أنه قادر على مقارعة منتخبات كبيرة، والعودة في لحظات صعبة.
أسود الأطلس يواصلون الحلم
منح التأهل إلى ثمن النهائي دفعة قوية للجمهور المغربي. فالمنتخب تجاوز منتخبا هولنديا قويا، ونجح في التعامل مع ضغط مباراة إقصائية. كما أظهر قدرة نفسية كبيرة، خاصة بعد استقبال هدف قبل أقل من عشرين دقيقة على نهاية الوقت الأصلي.
وكان ياسين بونو حاضرا في لحظات الحسم. كما أكد المنتخب المغربي قوته الجماعية، من الدفاع إلى الوسط والهجوم. وبرزت شخصية الفريق في العودة المتأخرة، ثم في الصمود خلال الوقت الإضافي، قبل الحسم من نقطة الجزاء.
وسيلتقي المنتخب المغربي في ثمن النهائي مع كندا، في هيوستن، وفق ما أوردته تقارير المباراة. وهذا يعني أن الحلم سيواصل طريقه في محطة جديدة، بعد ليلة مونديالية حافلة في مونتيري ومراكش معا.
ويعرف الجمهور المغربي أن الطريق لن يكون سهلا. لكن فرحة مراكش كشفت حجم الثقة الشعبية في هذا الجيل. فالناس لا تحتفل فقط بنتيجة. بل تحتفل بصورة منتخب صار رمزا للفخر والانتماء.
ليلة مونديالية في ذاكرة المدينة
لم تكن ليلة مراكش مجرد احتفال عابر. فقد جمعت بين الترقب، والخوف، والصمت، ثم الفرح الجارف. كما أظهرت كيف تتحول كرة القدم إلى رابط اجتماعي قوي، يوحد الأحياء والشرائح والأجيال.
وفي الساحات والأزقة، تكررت الصورة نفسها. أعلام وطنية، قمصان حمراء، وجوه مبتسمة، وسيارات تجوب المدينة. كان الجميع يردد اسم المغرب. وكان الجميع يشعر أن التأهل يخصه، ولو أنه تحقق على بعد آلاف الكيلومترات.
وهكذا، عاشت مراكش ليلة استثنائية بعد فوز أسود الأطلس على هولندا. ليلة بدأت بصمت ثقيل، وانتهت بفرح لا يهدأ. وبين المقاهي والشوارع، كتبت المدينة صفحة جديدة في علاقتها بكرة القدم، وبمنتخب يواصل صناعة الأمل في كأس العالم 2026.