بات فيلم “أوبسيشن” مرشحا لدخول تاريخ السينما من باب الأرباح، بعدما تجاوزت إيراداته العالمية 430 مليون دولار، رغم أن ميزانيته لم تتجاوز مليون دولار.
ويشكل فيلم أوبسيشن حالة نادرة في هوليوود. فقد أنجز دون نجوم كبار، ودون ميزانية ضخمة، لكنه تحول إلى ظاهرة في شباك التذاكر، مدفوعا بإقبال واسع على أفلام الرعب والتشويق.
ومنذ عرضه الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، خلال العام الماضي، ثم انتقاله إلى القاعات مطلع ماي، واصل الفيلم تحطيم الأرقام، مانحا مخرجه الشاب كوري باركر مكانة جديدة داخل الصناعة السينمائية الأمريكية.
فيلم أوبسيشن يقلب معادلة الأرباح
تكمن قوة فيلم أوبسيشن في الفارق الكبير بين كلفة إنتاجه وإيراداته. فميزانية تقل عن مليون دولار، مقابل أكثر من 430 مليون دولار من المداخيل، تجعل الفيلم مرشحا ليصبح واحدا من أكثر الأعمال ربحية في التاريخ.
ولا يرتبط هذا النجاح بحملة قائمة على أسماء نجوم الصف الأول. بل اعتمد الفيلم على فكرته، وإيقاعه، وقدرته على مخاطبة جمهور يبحث عن قصص رعب نفسية، قريبة من هواجس العلاقات المعاصرة.
ويعكس ذلك تغيرا واضحا في ذوق الجمهور. فقد باتت الأفلام الصغيرة قادرة على منافسة الإنتاجات الكبرى، إذا امتلكت فكرة قوية، وانتشارا رقميا ذكيا، وتفاعلا حقيقيا من المشاهدين.
كما يؤكد النجاح أن هوليوود لم تعد وحدها تصنع النجوم بالطرق التقليدية. فصناع المحتوى القادمون من “يوتيوب” و”تيك توك” أصبحوا قادرين على دخول القاعات بقوة.
كوري باركر من الأعمال المؤقتة إلى هوليوود
أصبح كوري باركر، البالغ 26 عاما، أحد أبرز الأسماء الصاعدة في هوليوود بعد نجاح فيلمه الأول. لكن طريقه إلى هذا الإنجاز لم يكن سهلا.
فقبل فترة قصيرة، كان باركر يعمل في إعداد شطائر البرغر في لوس أنجليس. كما كان يقبل أي عمل مؤقت يجده في السينما والتلفزيون، من أجل تأمين معيشته.
وحصل لاحقا على دور صغير في مسلسل “فيلادلفيا”. كما اشتغل مسؤولا عن الإجراءات الوقائية المرتبطة بجائحة كوفيد-19 في عمل سينمائي آخر.
وبالتوازي مع نشاطه على “تيك توك” و”إنستغرام”، أخرج باركر أفلام رعب قصيرة. ومن بينها “ذي تشير”، عبر قناة على “يوتيوب” أسسها مع كوبر توملينسون.
صعود جيل جديد من المخرجين
لا يبدو نجاح باركر حالة معزولة. فقد دخل فيلمه قائمة أكثر عشرة أفلام تحقيقا للإيرادات عالميا سنة 2026، إلى جانب فيلم “باك رومز” للمخرج واليوتيوبر كين بارسونز.
وحقق “باك رومز” بدوره 360 مليون دولار في شباك التذاكر، مقابل ميزانية إنتاج بلغت نحو 10 ملايين دولار. وهذا يؤكد أن جيلا جديدا من المخرجين الشباب يفرض نفسه في سينما الرعب.
وينتمي هؤلاء المخرجون إلى بيئة رقمية مختلفة. فهم يعرفون كيف يختبرون الأفكار القصيرة، وكيف يبنون جمهورا قبل الوصول إلى القاعات.
وتمنحهم المنصات الاجتماعية قدرة على قياس التفاعل مبكرا. كما تساعدهم على تطوير لغة بصرية قريبة من الجيل الجديد، دون الحاجة دائما إلى موارد ضخمة.
قصة حب تتحول إلى كابوس
كتب كوري باركر فيلم “أوبسيشن” وأخرجه. وتدور قصته حول شاب أمريكي مغرم سرا بزميلته في العمل، لكنه يخشى البوح بمشاعره.
وفي إحدى الأمسيات، يستخدم الشاب أداة غامضة على سبيل التجربة. ويتمنى أن تحبه زميلته “أكثر من أي شيء في العالم”. لكن الأمنية تقوده إلى حب مفاجئ، وعنيف، ومدمر.
وتمنح هذه الفكرة للفيلم بعدا نفسيا قويا. فالقصة لا تكتفي بإثارة الخوف. بل تفتح بابا للتأمل في الجانب المؤذي من العلاقات، وفي فكرة التملك العاطفي، والخطر الكامن خلف الرغبة في السيطرة على مشاعر الآخر.
وهذا البعد قد يفسر جزءا من جاذبية الفيلم. فهو يقدم الرعب من زاوية قريبة من الحياة اليومية، لا من عوالم بعيدة فقط.
رهان رابح لـ”فوكس فيتشرز”
شكل نجاح “أوبسيشن” مكسبا كبيرا لشركة “فوكس فيتشرز”، التابعة لاستوديوهات “يونيفرسال”. فقد حصلت الشركة على حقوق توزيعه مقابل 15 مليون دولار.
وبالنظر إلى الإيرادات الحالية، يبدو هذا الرهان ناجحا جدا. فالفيلم لم يحقق فقط عائدا ماليا كبيرا، بل منح الشركة عنوانا بارزا داخل سوق أفلام الرعب لسنة 2026.
وتعرف شركات الإنتاج أن أفلام الرعب قليلة التكلفة قد تمنح أرباحا ضخمة. فهذه النوعية لا تحتاج دائما إلى مؤثرات باهظة أو نجوم كبار، بل تحتاج إلى فكرة قوية وتنفيذ محكم.
ويؤكد “أوبسيشن” هذه القاعدة مرة أخرى. كما يرفع سقف التوقعات حول مشاريع قادمة لمخرجين شباب جاؤوا من المنصات الرقمية.
جمهور الرعب يصنع الفارق
ساهم إقبال جيل الألفية على أفلام الرعب في دفع “أوبسيشن” نحو العالمية. فقد وجد هذا الجمهور في الفيلم خليطا من التشويق، والعنف النفسي، والقراءة الاجتماعية للعلاقات.
وتساعد أفلام الرعب عادة على خلق نقاش واسع بعد المشاهدة. كما تنتشر مقاطعها وانطباعات الجمهور حولها بسرعة عبر المنصات الاجتماعية.
ويبدو أن “أوبسيشن” استفاد من هذا الزخم. فنجاحه لم يبدأ فقط من القاعات. بل وجد دعما من الجمهور الرقمي، الذي حوله إلى موضوع حديث واسع.
وبذلك، تحول الفيلم من تجربة منخفضة الميزانية إلى ظاهرة تجارية وثقافية. وقد يصبح، إذا استمر زخمه، واحدا من أكثر الأفلام ربحية في تاريخ السينما مقارنة بكلفة إنتاجه.