أحمد نشاطي
الفقر الحضري، الذي يقرأه كتاب الدكتور محمد العودي، داخل فضاءات الدارالبيضاء، لا يمكن فهمه إذا نظرنا إليه باعتباره مجرد مشهد من مشاهد المدينة أو مجرد نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية حديثة. فالفقر، الذي يظهر اليوم في الأسواق الهامشية، وفي الأحياء غير المهيكلة، وفي فضاءات العمل غير الرسمي، لا يولد دائما داخل المدينة نفسها. إذ كثيرا ما يصل إليها محمولا على أكتاف الذين غادروا قراهم، مدفوعين بضيق العيش، أو بندرة الفرص. كما يأتي نتيجة لإحساس متزايد بأن الأرض، التي أنجبتهم، لم تعد قادرة على أن تمنحهم ما يكفي للاستمرار.
الفقر الذي يهاجر قبل الإنسان
هكذا تبدأ، في الغالب، الرحلة الطويلة من الهامش القروي إلى الهامش الحضري. هذه رحلة لا تنتهي دائما بالخلاص، الذي كان يحلم به أصحابها. إذ غالبا ما تنتهي فقط بتغيير شكل الهشاشة.
فالمدينة، في المخيال المغربي، هي تجمع عمراني كبير، لكنها أيضا وأساسا وحتى دائما عبارة عن وعْد. إنه وعد بالعمل، وبالترقي الاجتماعي، وبإمكانية الخروج من محدودية العالم القروي نحو أفق يبدو أكثر اتساعا. كذلك تظهر المدينة أكثر قدرة على احتضان الطموحات الصغيرة والكبيرة معا. ولهذا، كانت الهجرة القروية عبارة عن انتقال مزدوج، انتقال جغرافي من مكان إلى آخر. وهناك أيضا انتقال آخر رمزي، باعتباره عبورا من عالم تضيق فيه الإمكانات إلى عالم يُفترض أنه أكثر سخاء في توزيع الفرص.
لكن ما يكشفه كتاب الدكتور محمد العودي، من خلال تتبعه لمسارات العيش في هوامش المدينة، هو أن هذا الوعد لم يكن دائما وفيا لمن صدّقوه. وأن المدينة، التي فتحت أبوابها لاستقبال الوافدين، لم تكن مستعدة بالقدر نفسه لاحتضانهم داخل بنيتها الاقتصادية والاجتماعية…
من الوعد القروي إلى الهامش الحضري
وهنا، يذكّرنا الدكتور العودي، بأن “الاستقلال”، رغم ما حمله من وعود، “لم يُحدث تغييرا جذريا يُذكر”، و”بالنسبة لجزء كبير من السكان، تحوّل الفقر القروي ببساطة إلى فقر حضري”. فالهجرة، وفق استشهاد الباحث بروبرت إسكالييه، لم تكن سوى “قفزة داخل فضاء غير متحكم فيه وتحت بروليتاري”. وحسب إحصاء 1960، كان “أكثر من نصف السكان الحضريين مولودين في الوسط القروي (54%)”. كما استمرت “موجات الهجرة القروية في التدفّق على الدارالبيضاء، التي كانت توقظ آمالا في العمل تفوق بكثير قدرتها الفعلية على الاستجابة لها”. حتى أن المدينة “بلغت عتبة المليون نسمة تقريبا منذ سنة 1960”. وهي “تحتضن في هوامشها كتلة حقيقية من شبه البروليتاريا”.
فالوافد الجديد قد يعثر في المدينة على ما كان يفتقده في قريته: قد يجد حركة، وفرصا، وسوقا لا تهدأ، وأفقا أو أملا لأن يبدأ من جديد… لكنه سرعان ما يكتشف أن الوصول إلى المدينة لا يعني بالضرورة الاندماج فيها. صحيح قد يجد عملا، لكنه غالبا ما يكون عملا هشا، ومؤقتا، وغير مضمون، وقائما على الجهد اليومي أكثر مما هو قائم على الاستقرار… وصحيح قد يجد سكنا، لكنه يكون في الغالب سكنا في الأطراف، في مناطق لم تكتمل فيها شروط المدينة، أو في فضاءات تعيش بدورها على هامش التخطيط والاعتراف…. وصحيح كذلك قد يجد شبكة من العلاقات، لكنها هي الأخرى جزء من اقتصاد النجاة، لا من اقتصاد الأمان… وهكذا تبدأ المدينة، بهدوء، في إعادة تشكيل القادم إليها، وفق شروطها هي، لا وفق حلمه الأول. فهي تمنحه حق البقاء، لكنها تؤجل باستمرار وعد الانتماء الكامل.
حين تتغيّر الهشاشة ولا تختفي
في هذا الصدد، غالبا ما تتحول الهجرة القروية إلى انتقال من شكل من أشكال الهشاشة إلى شكل آخر أكثر تعقيدا. فالإنسان، الذي كان يعاني في القرية من محدودية الموارد أو من هشاشة الأرض، يجد نفسه في المدينة أمام هشاشة من نوع جديد: هشاشة السوق، وهشاشة العمل غير المضمون، وهشاشة العيش في فضاء يتحرك بسرعة أكبر مما يستطيع أن يلاحقه. لقد غادر، ربما، انتظار المطر، لكنه دخل في انتظار آخر لا يقل قسوة. وهذا الانتظار هو انتظار فرصة العمل، أو الزبون، أو اليوم الذي قد يكون أفضل من سابقه.
وهذا ما يجعل كثيرا من الفضاءات، التي يصفها كتاب الدكتور محمد العودي، والتي تعكس مواقع للفقر، تحكي قصة الهجرة الداخلية، التي حملت آلاف الناس إلى هوامش المدينة. ففي كل سوق شعبي، وفي كل نشاط غير مهيكل، وفي كل زاوية من زوايا الاقتصاد الهش، تختبئ قصص انتقال طويلة بدأت خارج المدينة، وانتهت، أو تعثرت، داخلها. كثير من هؤلاء الذين يصنعون اليوم اقتصاد الظل في الدارالبيضاء هم، في الحقيقة، أبناء مسارات بدأت في القرى حين ضاقت الأرض أو انحسر الأمل. لذا جاءوا إلى المدينة بحثا عن حياة أخرى. فوجدوا أنفسهم يعيدون بناء حياتهم من الصفر، بأدوات بسيطة، وبجهد يومي لا يكاد يتوقف.
المدينة تمنح البقاء.. لا الأمان
لكن ما يلفت النظر في قراءة الدكتور محمد العودي هو ما أشرنا إليه سابقا من أن الكتاب يتعامل مع هؤلاء كفاعلين وليس فقط كضحايا لتحولات اقتصادية أو اجتماعية. فالمدينة، رغم قسوتها، لا تبتلعهم دفعة واحدة. فهي تمنحهم هامشا للحركة، يبتكرون داخله وسائلهم الخاصة للبقاء. يستندون إلى شبكات التضامن القديمة، إلى القرابة، إلى المعرفة المتبادلة، إلى ما حملوه معهم من خبرات بسيطة أو من قدرة على الاحتمال والتحمّل. كما يحولون كل ذلك إلى أدوات للتكيف مع واقع جديد. وهنا، مرة أخرى، يتحول الفقر إلى شكل من أشكال المهارة، لأن النجاة تفرض على أصحابها أن يتعلموا كيف يعيشون داخله.
غير أن هذه القدرة على التكيف لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الأعمق، التي يذكّرنا بها الكتاب. فالكثير من الذين غادروا الفقر القروي لم يخرجوا من الفقر فعليا، بل غيروا فقط لغة ومكانة الفقر. لقد انتقلوا من هشاشة مرتبطة بالأرض إلى هشاشة مرتبطة بالسوق، ومن محدودية القرية إلى قسوة المدينة. كما انتقلوا من انتظار موسم زراعي كريم إلى انتظار يومي لفرصة قد تأتي وقد لا تأتي.
حين تستقبل المدينة فائض الريف.. وفائضها أيضا
ويزداد الوضع تعقيدا، كما يُحلل الدكتور العودي، حين ندرك أن “الهيكل الضخم للظاهرة يعكس على المستوى الاجتماعي مدى ما يُطلق عليه عموما بالبطالة المقنّعة”. ففي “فترات الركود المتفاقم بسبب سياسات التقويم الهيكلي”، المفروضة من طرف البنك الدولي بداية ثمانينيات القرن الماضي، تفرض “الحرف الصغيرة في الأزقة نفسها بشكل متزايد كهيكل استقبال أساسي”. ذلك يكون سواء بالنسبة للمهاجرين القرويين، أو بالنسبة “للعديد من المدينيين العاطلين عن العمل”.
وهكذا، فإن “الاقتصاد غير المهيكل” لا يستقبل “فائضا” قرويا فقط، فهو يستقبل أيضا “فائضا” حضريا: فئات واسعة وجدت نفسها، بفعل السياسات الاقتصادية، مضطرة إلى ضبط كينونتها على “الشارع” كـ”هيكل استقبال” بديل.
وهذا، في حد ذاته، يكشف أن المشكلة ليست فقط في المدينة. وإنما في مسار تنموي لم ينجح بعد في أن يجعل من الهجرة خيارا حرا. إذ لا تزال الهجرة ضرورة يفرضها ضيق البدائل.
العدالة المجالية.. المعضلة تبدأ من القرية
ولهذا، فإن الحديث اليوم عن العدالة المجالية، وعن التنمية القروية، وعن تقليص الفوارق الاجتماعية، لا يمكن أن يبقى منفصلا عن الحديث عن الفقر الحضري. لأن جزءا مهما مما نراه اليوم في هوامش المدن هو، في الحقيقة، نتيجة مؤجلة لفشل سابق في القرى، أو لعدم قدرة السياسات العمومية على بناء توازن حقيقي بين المجالين. والمدينة، مهما اتسعت، لا تستطيع وحدها أن تُصلح ما لم يقع إصلاحه في أماكن أخرى.
إن إحدى أهم فضائل كتاب الدكتور محمد العودي أنه يذكّرنا بأن الفقر الحضري هو مسار طويل من التنقل، والتكيّف، والانكسار، والمقاومة. مسار يبدأ غالبا بخطوة أمل خارج المدينة، وينتهي، بعد سنوات من الكفاح، إلى شكل جديد من النجاة داخل المدينة.
ومن هنا يبرز السؤال، الذي لا يمكن تجاهله: إذا كانت المدينة ما تزال تستقبل القادمين إليها بوعد لا يكتمل، فهل المشكلة في المدينة وحدها، أم في نموذج تنموي لم ينجح بعد في أن يمنح الإنسان حقه في أن يبقى حيث ولد، أو أن يهاجر حيث يريد، دون أن يكون الفقر رفيقه في الحالتين؟