أحمد نشاطي
حين يُذكر “الاقتصاد غير المهيكل”، كثيرا ما نستدعي، بشكل تلقائي، صورة نمطية جاهزة تختزله في كونه فضاء رماديا تتحرك داخله أنشطة صغيرة خارج القانون. علاوة على ذلك، يمارسها باعة متجولون، وحرفيون غير مصرح بهم، وعمال لا يظهرون في سجلات الضمان الاجتماعي ولا في دفاتر الإدارة الضريبية…
هذا ما ينتجه عجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب الجميع
هكذا جرى، لسنوات طويلة، تقديم هذا العالم، كأنه بقايا نظام اقتصادي تقليدي لم تلحقه الحداثة بعد. أو كأنه خلل عابر ينبغي تنظيمه أو احتواؤه أو التخلص منه… لكن كتاب الدكتور محمد العودي يدعونا إلى قلب هذه النظرة رأسا على عقب. كما يدعونا إلى التفكير في الاقتصاد غير المهيكل لا باعتباره هامشا منفصلا عن الاقتصاد الوطني، وإنما باعتباره أحد مكوناته الأكثر حيوية. مع ذلك، يظل يتحرك خارج الاعتراف الرسمي.
ووفق تحليل الدكتور العودي، فإن هذا “الاقتصاد غير المهيكل” ليس، في أصله، “بقايا نظام تقليدي”. إنه نتاج “نمط إنتاج رأسمالي تم إدخاله عنوة في فضاء لم يكن مهيأ لاستقباله”. كما أن “التداخل البنيوي بين أشكال مختلفة من الإنتاج والعمل”، الذي أحدثته “الهجمة الاستعمارية”، هو ما أنتج “شبكة الأنشطة الهشة”. إضافة إلى ذلك، “لا معنى لها إلا في ضوء العوامل التي أفرزها النظام الجديد”. وهكذا، فإن “الغير مهيكل” ليس نقيض “المنظم”، وإنما هو وجهه الآخر!!
ما يكشفه الكتاب، بوضوح شديد، هو أن هذا الاقتصاد، الذي نصرّ على تسميته “غير مهيكل”، هو، في الواقع، أبعد من مجرد فضاء للفوضى أو التسيب. فهو، في جوهره، استجابة اجتماعية واسعة لعجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب الجميع. كأن المجتمع، حين تضيق به المؤسسات، يبدأ في اختراع مؤسساته الخاصة. وأيضا، حين لا يجد الأفراد لأنفسهم موطئ قدم داخل السوق المنظم، يعيدون تشكيل السوق على مقاس الضرورة…
من “اقتصاد الظل” إلى اقتصاد الحياة
هنا لا يعود البائع المتجول مجرد شخص يبحث عن رزقه اليومي، ولا الحرفي الذي يعمل خارج السجلات مجرد مخالف للإجراءات. ولا المرأة التي تقتات من تجارة بسيطة في أحد الأسواق الشعبية مجرد رقم في هامش الاقتصاد…، إن كل واحد منهم يصبح جزءا من “منظومة” كاملة، يجري فيها تبادل المنافع وبناء الثقة. كما تجري فيها، وبصمت، صياغة قواعد غير مكتوبة للتنظيم والاستمرار…
وهذا ما يمنح الكتاب قوته التحليلية. فهو لا ينظر إلى الاقتصاد غير المهيكل من زاوية القانون فقط، بل من زاوية الحياة. ينظر أيضا من زاوية الناس، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى بناء مساراتهم المهنية خارج الأطر الرسمية. فهم لم يحددوا خيار الهامش حبا في التمرد، بل لأن المركز لم يفتح لهم أبوابه. هنا يصبح ما نسميه “القطاع غير المهيكل” شكلا من أشكال التفاوض اليومي مع واقع لا يوزع الفرص بعدالة…
اقتصاد لا تعترف به الدولة.. ولا تستطيع الاستغناء عنه
في هذا السياق، تبدو إحدى المفارقات الكبرى، التي يضيئها الكتاب، شديدة الدلالة: الدولة نفسها، التي تصنف هذا الاقتصاد باعتباره “غير مهيكل”، تعرف جيدا أن جزءا من التوازن الاجتماعي يمر عبره. فهي قد تضيق به أحيانا، وتحاول تقنينه أو تقليصه. لكنها تدرك، في العمق، أن آلاف الأسر تعتمد عليه. علاوة على ذلك، فإن اختفاءه المفاجئ قد لا يعني فقط اختفاء أنشطة صغيرة. بل إنه قد يعني اختلال توازنات كاملة في سوق الشغل وفي الحياة اليومية للمدينة.
وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: إذا كان هذا الاقتصاد يشغّل عددا كبيرا من الناس، ويوفر لهم، ولو بشكل هش، موردا للعيش، ويسهم، بطريقة أو بأخرى، في دوران عجلة السوق، فهل يجوز أن نستمر في النظر إليه بوصفه مجرد “هامش”؟ ربما يكون الأدق أن نقول إننا أمام اقتصاد داخل الاقتصاد. كذلك، نحن أمام “قلب خفيّ” ينبض خارج السجلات الرسمية. قلب لا يظهر في المؤشرات الكبرى، لكنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية. يظهر في الأسواق الشعبية، في الأزقة، في محيط المحطات، وفي كل تلك المساحات، التي تتحول فيها الحاجة إلى نشاط. كما يصبح فيها البقاء نفسه نوعا من الكفاءة الاقتصادية…
حين يكشف الهامش حدود النموذج التنموي
كتاب الدكتور محمد العودي يقدم لنا إضاءات عميقة وكاشفة عن هذا الوضع بكل ما يلفه من معاناة مريرة ومن قدرة مذهلة على التكيف. حين يضطر هذا العدد من الناس إلى بناء اقتصادهم الخاص خارج الضمانات والحمايات والاعتراف القانوني…
من هنا، يتحول الاقتصاد غير المهيكل من مجرد ملف تقني يتعلق بالإدماج أو الجباية أو التقنين إلى مرآة تعكس حدود النموذج التنموي نفسه. فهو يكشف، بوضوح، أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة عدالة في توزيع الفرص. كما أن اتساع السوق لا يضمن تلقائيا اتساع الأمان الاجتماعي. مع ذلك، قد يحدث العكس تماما: أن يكبر الاقتصاد، بينما يكبر معه عدد الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى العيش خارجه، أو على أطرافه.
لكن الإشكال يتجاوز “النمو” إلى “التوزيع”. فكما يوضح العودي، فإن “الدارالبيضاء، المصنفة ضمن أكثر الحواضر كلفة في العالم”، تُنتج، في آن واحد، الثروة والهشاشة. وهذا يعني أن “الدولة الاجتماعية”، حين تتحدث عن “الإدماج”، يجب أن ندقق في طبيعة هذا الإدماج. علينا أن نسأل: هل تُدمج “المقاولين” كفاعلين، أم كـ”محتاجين”؟ كذلك، هل تعترف بـ”الاقتصاد غير المهيكل” كـ”نظام”، أم تسعى إلى “تنظيمه” بما يُفقده خصوصيته؟
الاقتصاد الذي لا تراه الأرقام.. لكنه يصنع الحياة
ولعل هذا ما يمنح الكتاب راهنيته اليوم، لأنه يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة، التي نتعامل بها مع الاقتصاد غير المهيكل. فبدل أن ننطلق من سؤال: “كيف نقضي عليه؟”، يوجهنا الكتاب إلى سؤال أكثر عمقا وإنصافا. السؤال هو: كيف نجعل من لا يزالون يعيشون داخله جزءا فعليا من اقتصاد يعترف بهم، ويحميهم، ويضمن لهم ما يستحقونه من كرامة واستقرار؟
واللافت، هنا، أن هذا الإشكال، الذي طرحه الدكتور محمد العودي قبل عقدين ونصف، هو بالضبط ما شرعت الدولة في مقاربته، في السنوات الأخيرة، بغض النظر عن طبيعة وحدود هذه المقاربة، التي على صناعها والمسؤولين عنها أن يستمعوا جيدا إلى عمق الكتاب. كما يوجّهنا إلى أن الدولة لا يجب أن تترك الناس وحدهم ليبتكروا وسائل نجاتهم، في وقت يفترض أن يكون الحق في العمل الكريم جزءا من العقد الاجتماعي. كذلك، لا ينبغي أن يكون العمل الكريم “امتيازا” يَستلزم انتزاعه من قلب الهشاشة…
بهذا المعنى، فإن كتاب الدكتور محمد العودي يسلحنا بالأدوات والتصورات، التي تتجاوز النظر إلى الاقتصاد غير المهيكل كرقم أو كملف إداري، وإنما كحياة كاملة تدور في الظل، وتنتظر، منذ زمن طويل، أن يلتفت إليها الضوء…