أقر البرلمان الفرنسي، نهائيا، مشروع قانون يحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون سن الخامسة عشرة، في سابقة تعد الأولى من نوعها داخل الاتحاد الأوروبي.
وجاء إقرار القانون، الثلاثاء، بعد تصويت مجلس الشيوخ، ثم تصويت النواب لصالح الإصلاح بغالبية 279 صوتا مقابل 81. ويرتقب أن يدخل النص حيز التنفيذ مع بداية الدخول المدرسي في شتنبر المقبل.
ويفرض القانون على منصات التواصل الاجتماعي اعتماد أنظمة للتحقق من عمر المستخدمين. كما يمنع استعمال الهواتف المحمولة داخل المدارس، في خطوة تقدمها باريس كجزء من حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر الفضاء الرقمي.
حظر التواصل الاجتماعي على الأطفال في فرنسا يدخل مرحلة التنفيذ
يمثل حظر التواصل الاجتماعي على الأطفال في فرنسا أحد أبرز الإصلاحات الرقمية التي دفعت بها السلطات الفرنسية خلال الفترة الأخيرة. وقد تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بهذا الإجراء، قبل أن يقره البرلمان نهائيا.
وبموجب القانون الجديد، لن يسمح لمن هم دون 15 سنة بفتح حسابات على منصات التواصل الاجتماعي ابتداء من فاتح شتنبر 2026، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.
ويهدف النص إلى تقليص تعرض القاصرين للمحتويات الضارة، والضغط الرقمي، والإدمان على المنصات. كما يضع مسؤولية مباشرة على الشركات المالكة لهذه المنصات.
ولا يكتفي الإصلاح بتوجيه توصيات عامة للأسر. بل يلزم المنصات بتطوير آليات تحقق من السن، وهو الجانب الذي أثار نقاشا واسعا حول الخصوصية والفعالية التقنية.
ماكرون: فرنسا تقود الطريق في أوروبا
رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإقرار القانون، واعتبره خطوة كبيرة إلى الأمام في حماية الأطفال والشباب على الإنترنت.
وقال ماكرون، في مقطع فيديو نشره على مواقع التواصل، إن فرنسا تقود الطريق في أوروبا في هذا المجال. كما شدد على أن حماية القاصرين من مخاطر المنصات أصبحت أولوية وطنية.
ويعطي هذا التصريح بعدا سياسيا واضحا للإصلاح. فالقانون لا يتعلق فقط بتنظيم رقمي، بل يدخل ضمن تصور أوسع لدور الدولة في حماية الأطفال داخل البيئة الرقمية.
كما تراهن الحكومة الفرنسية على أن يشكل هذا المسار نموذجا لباقي الدول الأوروبية. فقد أصبحت علاقة الأطفال بالمنصات موضوعا حساسا في عدد من المجتمعات.
التحقق من السن يثير النقاش
يلزم القانون منصات التواصل بتطبيق أنظمة للتحقق من عمر المستخدمين. غير أن هذا الجانب لا يزال من أكثر النقاط إثارة للجدل.
فمن جهة، ترى السلطات أن التحقق من السن ضروري لضمان فعالية الحظر. ومن جهة أخرى، يطرح هذا الإجراء أسئلة حول حماية المعطيات الشخصية، وطريقة تخزينها، وحدود استعمالها.
وتشير معطيات نشرتها وكالة الأنباء الإسبانية “إفي” إلى أن القانون لا يحدد نظاما واحدا للتحقق من السن، بل يترك للمنصات مسؤولية اعتماد آليات مناسبة.
وهذا يعني أن التطبيق العملي سيحتاج إلى متابعة دقيقة. فنجاح القانون لن يتوقف على النص وحده، بل على قدرة المنصات على الالتزام به تقنيا وقانونيا.
منع الهواتف داخل المدارس
يتضمن القانون أيضا حظرا لاستخدام الهواتف المحمولة في المدارس. ويدخل هذا الإجراء ضمن السعي إلى تقليص حضور الشاشات داخل الفضاء التربوي.
ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” أن النص يحظر استعمال الهواتف في الثانويات. كما يربط هذا التوجه بتحسين شروط التركيز، والحد من التأثيرات السلبية للتواصل الرقمي على التلاميذ.
ويعد هذا القرار امتدادا لنقاش تربوي طويل في فرنسا. فقد أصبح الهاتف الذكي حاضرا بقوة داخل الحياة المدرسية، ما أثار قلق الأسر والمربين.
ويراهن المدافعون عن الحظر على تخفيف التشتت داخل الأقسام. كما يعتبرون أن المدرسة يجب أن توفر للتلاميذ فضاء أقل خضوعا لضغط الإشعارات والمنصات.
سابقة أوروبية بعد تجربة أستراليا
تقدم فرنسا هذا القانون باعتباره سابقة في أوروبا. فقد أصبحت أول دولة داخل الاتحاد الأوروبي تقر حظرا عاما على استعمال شبكات التواصل لمن هم دون 15 سنة.
وتأتي هذه الخطوة بعد تجربة أستراليا، التي أقرت حظرا لمن هم دون 16 سنة على منصات مثل “فيسبوك” و”سناب شات” و”تيك توك” و”يوتيوب”، بحسب “رويترز”.
ويعكس هذا السياق تنامي القلق الدولي من أثر المنصات على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. كما يبرز انتقال النقاش من مستوى التوعية إلى مستوى التشريع الملزم.
وقد تدفع الخطوة الفرنسية دولا أوروبية أخرى إلى دراسة إجراءات مماثلة، خاصة إذا أثبت القانون فعاليته خلال السنة الدراسية المقبلة.
حماية الأطفال بين القانون والتطبيق
رغم قوة النص، يبقى التطبيق هو الاختبار الحقيقي. فالأطفال والمراهقون قادرون أحيانا على تجاوز القيود الرقمية، خصوصا عبر حسابات بديلة أو معلومات غير دقيقة.
كما أن المنصات ستحتاج إلى تطوير حلول لا تمس خصوصية المستخدمين. وهذا تحد صعب، لأن التحقق من السن قد يتطلب بيانات حساسة.
لذلك، سيكون نجاح القانون مرتبطا بتعاون الدولة، والمنصات، والأسر، والمدارس. فالحماية الرقمية لا يمكن أن تعتمد على المنع وحده.
كما تحتاج إلى تربية رقمية مبكرة، تساعد الأطفال على فهم المخاطر، والتعامل مع المحتوى، واحترام قواعد السلامة على الإنترنت.
خطوة كبيرة في سياسة رقمية جديدة
يفتح القانون الفرنسي مرحلة جديدة في تنظيم علاقة الأطفال بشبكات التواصل. فهو ينقل المسؤولية من الأسر وحدها إلى المنصات والدولة والمؤسسات التعليمية.
ويحمل القرار رسالة واضحة. فصحة الأطفال والمراهقين لم تعد قضية خاصة داخل المنازل فقط، بل أصبحت شأنا عاما يستدعي تدخلا تشريعيا.
وبين تأييد المدافعين عن حماية الأطفال، وتحفظات مرتبطة بالخصوصية والتطبيق، تدخل فرنسا تجربة غير مسبوقة أوروبيا.
وسيظهر أثر هذا القانون مع بداية شتنبر، حين تصبح المنصات مطالبة بتطبيق الحظر والتحقق من السن. وعندها سيبدأ الاختبار العملي لإصلاح وصفه ماكرون بأنه خطوة كبيرة إلى الأمام في حماية الأطفال والشباب.