انطفأت شعلة المصفاة.. فمن الذي أشعل أسعار المحروقات؟

يستحضر محمد سمامي تداعيات توقف مصفاة سامير على مدينة المحمدية والاقتصاد الوطني، ويطرح تساؤلات حول غياب التكرير وأسعار المحروقات وأرباح الشركات الكبرى.
انطفأت شعلة المصفاة.. أسعار المحروقات في المغرب

محمد سمامي (عضو النقابة الوطنية للبترول والغاز وباحث في العلاقات المغربية الإسبانية)

لا زلت أتذكر الأيام الأولى التي أعقبت توقف الإنتاج بشركة سامير. رافقت تلك المرحلة مواقف وقراءات متباينة داخل مدينة المحمدية. فقد اعتبر البعض توقف المصفاة فرصة لإنقاذ المدينة من جحيم التلوث. وانطلق هذا الاعتقاد من اعتبار سامير المسؤول الرئيسي عن ظاهرة الغبار الأسود الذي كان يغطي أجزاء من المدينة.

الغبار الأسود ومفارقة التلوث في المحمدية

غير أن السنوات اللاحقة أظهرت أن الصورة كانت أكثر تعقيدا. فقد ارتبط جزء مهم من ظاهرة الغبار الأسود بانبعاثات المحطة الحرارية. وبرز ذلك خصوصا بعد توقف سامير عن الإنتاج، بعدما كانت توفر للمحطة آلاف الأطنان من مادة الفيول.

ومع تعويض الفيول بالفحم، ظهرت تداعيات بيئية واضحة. وهكذا برزت مفارقة صارخة: اتُّهمت سامير طويلا بأنها أصل المشكلة البيئية. لكن توقفها ساهم في إبراز مصدر آخر للتلوث بشكل أكثر وضوحا.

ومع ذلك، لم تقتصر الخسارة على الجانب البيئي. بل كانت، قبل كل شيء، اقتصادية واجتماعية.

فقد كانت سامير أكثر من مجرد مصفاة لتكرير النفط. كانت منظومة اقتصادية متكاملة تشغل آلاف الأشخاص بشكل مباشر وغير مباشر. كما خلقت حركة اقتصادية واسعة داخل المحمدية ومحيطها.

وساهمت المؤسسة أيضا في مداخيل الأسر. ونشطت بفضلها قطاعات الخدمات والنقل والتجارة والمطاعم والعقار وغيرها.

عمال سامير والفراغ الاقتصادي الذي تركته المصفاة

وفي خضم النقاش آنذاك، لم يسلم عمال سامير من حملات التشفي. فقد جرى التعامل معهم وكأنهم المسؤولون عن توقف المصفاة. كما بدا فقدانهم لعملهم، لدى بعض الأصوات، نوعا من العقاب المستحق.

غير أن الزمن كان كفيلا بإظهار حجم الفراغ الذي تركته المؤسسة. فقد بدأت المحمدية تفقد جزءا من حيويتها الاقتصادية والاجتماعية. وتراجعت مكانتها في مؤشرات جودة الحياة.

ومع هذه التحولات، بدأ كثيرون يستوعبون حقيقة دور العامل الساميري. فهو لم يكن مجرد موظف في شركة، بل كان جزءا من دورة اقتصادية كاملة تستفيد منها المدينة.

هل يدفع المواطن ثمن غياب المصفاة؟

هل كان إغلاق المصفاة هو الحل الأقل كلفة بالنسبة للمغرب؟ أم أن ثمن غيابها أصبح يُدفع اليوم من جيب المواطن؟

أصبح هذا الوضع يدفع المواطن إلى التساؤل عن حقيقة المنافسة. كما يطرح أسئلة حول مدى انعكاس انخفاض الأسعار الدولية أو ارتفاعها على السعر النهائي الذي يدفعه في محطة الوقود.

وهنا، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن سامير أو تبرئة كل ما ارتبط بتدبيرها. بل يتعلق بطرح سؤال اقتصادي أعمق: هل كان إغلاق المصفاة هو الحل الأقل كلفة بالنسبة للمغرب؟

أم أن ثمن غيابها أصبح يُدفع اليوم من جيب المواطن؟ وهل تتحمل القدرة التنافسية للاقتصاد جزءا من هذه الكلفة؟ وماذا عن مستقبل مدينة كانت سامير تشكل أحد أعمدتها الاقتصادية؟

لقد أثبتت السنوات أن المصفاة لم تكن مجرد مداخن ومنشآت صناعية تثير مخاوف بيئية. بل كانت جزءا من منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة.

ولذلك، لا ينبغي اختزال تقييم تجربة سامير في سؤال واحد: هل كانت المصفاة ملوثة أم لا؟ بل يجب أن يمتد النقاش إلى قضايا أكبر. ويتعلق الأمر بالأمن الطاقي، والسيادة الصناعية، وأسعار المحروقات، وفرص الشغل، والتنمية المحلية.

كما يفرض هذا التقييم سؤالا إضافيا: من استفاد من توقف المصفاة، ومن دفع ثمنه؟

وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحا اليوم مرتبطا بالمواطن نفسه. فقد خسر مصفاة، وخسر معها آلاف فرص الشغل وحركية اقتصادية كبيرة. ثم وجد نفسه أمام أسعار مرتفعة للغازوال.

فمن كان المستفيد الاقتصادي الحقيقي من هذا التحول؟

شباب المحمدية.. تداعيات تجاوزت القطاع الصناعي

وحتى الرياضة لم تكن بمنأى عن هذا التحول. فقد تضرر فريق شباب المحمدية بشكل واضح بعد فقدانه جزءا مهما من منظومة الدعم التي كانت توفرها سامير.

وشمل هذا الدعم التمويل المالي والمرافق والمنشآت الرياضية، فضلا عن الفندق التابع للمصفاة. وبذلك، فقد الفريق جزءا من الموارد التي كانت تساعده على تطوير مشروعه الرياضي.

وهكذا، انتقل شباب المحمدية من الاستفادة من مؤسسة اقتصادية كبرى قادرة على تمويل مشروع رياضي متكامل، إلى وضع مختلف. وأصبح الفريق رهينا بمبادرات أشخاص وبما يتوفر من دعم ظرفي.

حتى إن بعض المساعدات باتت أشبه بالفتات، مقارنة بما كانت توفره المنظومة السابقة.

غياب التكرير والتخزين وأثره على سوق المحروقات

لكن ربما تكون المفارقة الاقتصادية الأكبر قد ظهرت على مستوى المحروقات. فبعد توقف سامير، فقد المغرب جزءا أساسيا من قدرته على التكرير والتخزين والتدخل في السوق.

وأصبح المغرب، في المقابل، أكثر اعتمادا على استيراد المنتجات النفطية المكررة. ومع ارتفاع أسعار النفط عالميا وتقلبات الأسواق الدولية، تحولت أسعار المحروقات، وخاصة الغازوال، إلى عبء مباشر على المواطن والاقتصاد الوطني.

ويرتبط هذا العبء بتأثير أسعار الطاقة على مختلف الأنشطة الاقتصادية. إذ تتصل تكلفة النقل والإنتاج والخدمات بشكل وثيق بسعر الطاقة.

وهنا يطرح سؤال اقتصادي مشروع نفسه: ماذا خسر المغرب، وماذا ربح من غياب مصفاة وطنية قادرة على التكرير والتخزين والمساهمة في تأمين جزء من حاجيات السوق؟

وهل كان توقف سامير مجرد مشكلة مرتبطة بشركة متعثرة؟ أم أنه تحول إلى كلفة يتحملها الاقتصاد المغربي والمستهلك على المدى الطويل؟

والأكثر إثارة للتساؤل أن مرحلة ارتفاع أسعار المحروقات تزامنت مع توسع أرباح بعض الفاعلين في سوق المحروقات. كما تزامنت مع تراكم ثروات ضخمة لدى شركات كبرى،

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts