بقلم عبدالسلام الصديقي *
انتهت الانتخابات التشريعية، وأفرزت نتائجها تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا. وبعد ذلك، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وهكذا تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من زمن الوعود الانتخابية إلى زمن الاختيارات والتحكيمات الصعبة. فالبرنامج الانتخابي للحزب الذي تصدر الانتخابات حمل طموحات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
ويأتي في مقدمة هذه الطموحات تحقيق معدل نمو سنوي متوسط في حدود 5 في المائة بين 2027 و2031. كما يتضمن خلق ما لا يقل عن مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات.
ويشمل البرنامج أيضا تحسين القدرة الشرائية والأجور والمعاشات. كما يطرح تعزيز الحماية الاجتماعية والأمن الطاقي والمائي والغذائي.
هذه الأهداف تستجيب لانتظارات حقيقية لدى المغاربة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتعلق بمدى ملاءمتها للواقع الاقتصادي والظرفية التي ستواجهها الحكومة الجديدة.
ثلاث توقعات لاقتصاد واحد
تكشف توقعات النمو لسنة 2027 عن حجم التحدي الذي ينتظر الحكومة. فوزارة الاقتصاد والمالية تبني تأطيرها الماكرو-اقتصادي على نمو في حدود 4,1 في المائة.
في المقابل، يتوقع المندوبية السامية للتخطيط نموا في حدود 3 في المائة. أما بنك المغرب فقد خفض توقعاته إلى 2,9 في المائة.
وتستند هذه التوقعات إلى فرضيات مختلفة، خصوصا فيما يتعلق بالموسم الفلاحي. لكن الفارق بين 4,1 و2,9 نقطة مئوية ليس تفصيلا بسيطا.
وتزداد أهمية هذا الفارق عندما يتعلق الأمر بتمويل الالتزامات الاجتماعية. كما يبرز أثره عند تقييم قدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل والحفاظ على الاستثمار والتحكم في العجز.
هنا تبدأ أولى اختبارات الحكومة الجديدة.
تراجع الطلب الخارجي
لن تعمل الحكومة في محيط دولي مريح. فتباطؤ الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية والتجارية وتقلب أسعار المواد الأولية عوامل تزيد صعوبة المهمة.
كما أن اضطراب سلاسل التوريد يرفع مستوى المخاطر أمام الاقتصادات المرتبطة بالأسواق الخارجية. ويضاف إلى ذلك احتمال تباطؤ الطلب الخارجي الموجه إلى المغرب.
وقد يؤثر ذلك على الصادرات وبعض الأنشطة الصناعية والسياحية. كما يمكن أن ينعكس على سلاسل القيمة التي أصبح الاقتصاد المغربي جزءا منها.
وتكتسي الوضعية الاقتصادية الأوروبية أهمية خاصة بالنسبة للمغرب. فأوروبا تمثل فضاءه الاقتصادي الخارجي الرئيسي.
لذلك، لم يعد من الممكن الاعتماد فقط على دينامية الطلب الخارجي. وتبرز هنا ضرورة تعزيز السيادة الاقتصادية دون اللجوء إلى الانغلاق.
ويعني ذلك رفع القدرة على الإنتاج وتنويع الأسواق وتقليص بعض التبعيات. كما يعني جعل السوق الداخلية محركا أقوى للنمو.
لكن السوق الداخلية تحتاج بدورها إلى طلب داخلي قادر على الاستمرار. وهذا يمر عبر تحسين مستوى المعيشة وتوزيع أكثر عدلا لثمار النمو.
التشغيل: الاختبار الحقيقي
يبقى التشغيل أحد أهم الاختبارات التي ستواجه الحكومة الجديدة. فالبرنامج الانتخابي للحزب المتصدر يتعهد بخلق مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات.
كما يستهدف الوصول بمعدل البطالة «الصارم» إلى 7 في المائة سنة 2031. غير أن خلق مليون منصب شغل لا يتحقق بمجرد إعلان هدف سياسي.
إنه يحتاج إلى نمو قوي. والأهم من ذلك، يحتاج إلى نمو مولد للشغل.
ويتوقع بنك المغرب نموا إجماليا في حدود 2,9 في المائة سنة 2027. وفي المقابل، يتوقع نمو الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4 في المائة.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي يرتبط بقدرة الاقتصاد غير الفلاحي على أخذ مكانة أكبر. كما يرتبط بقدرته على خلق الثروة وفرص الشغل بصورة أكثر استدامة.
لذلك، لم يعد السؤال فقط: كم منصب شغل نريد خلقه؟ بل أصبح أيضا: أي تحول في جهازنا الإنتاجي يسمح بخلق هذه المناصب؟
الاستثمار ليس غاية في حد ذاته
استثمر المغرب كثيرا خلال السنوات الماضية. وتطورت البنيات التحتية، وتعددت المشاريع الكبرى، كما اكتسبت قطاعات صناعية عدة بعدا دوليا.
لكن الاستثمار ليس غاية في حد ذاته. فقيمته الحقيقية تظهر عندما يؤدي إلى زيادة الإنتاج الوطني والقيمة المضافة المحلية والصادرات وفرص الشغل.
وهذا ما يجعل العجز الخارجي موضع اهتمام. فاستيراد المعدات والتكنولوجيات قد يكون ضروريا لتحديث الاقتصاد.
لكن المطلوب هو أن تؤدي هذه الاستثمارات لاحقا إلى إنتاج أكبر وقدرة تصديرية أقوى. كما أن تعزيز السيادة الاقتصادية يمر عبر الرفع من الإدماج المحلي لسلاسل الإنتاج.
ويشمل ذلك تقليص بعض الواردات عندما توجد إمكانية اقتصادية حقيقية لإنتاجها محليا.
هوامش مالية تحتاج إلى اختيارات دقيقة
ستجد الحكومة نفسها أمام ضرورة تمويل الالتزامات الاجتماعية والخدمات العمومية والاستثمارات والمشاريع الكبرى. وفي المقابل، تظل الهوامش المالية محدودة.
لذلك، لا ينبغي اختزال النقاش في الاختيار بين الإنفاق العمومي والانضباط المالي. السؤال الحقيقي هو: أين ننفق؟ وأين نستثمر؟
كما ينبغي طرح سؤال آخر يتعلق بالعائد الاقتصادي والاجتماعي لكل درهم عمومي. فجودة الإنفاق أصبحت اليوم لا تقل أهمية عن حجمه.
وهذا يعني أن الحكومة مطالبة بإعادة ترتيب الأولويات. كما تحتاج إلى ربط الإنفاق العمومي بقدرته على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
الجرأة على مواجهة معيقات التنمية
غير أن الإصلاح الاقتصادي لن يكون كافيا إذا لم تتم مواجهة بعض العوائق الهيكلية التي تحد من فعالية الاقتصاد.
فالمغرب يحتاج إلى بيئة اقتصادية تتيح للمنافسة والمبادرة والابتكار والاستحقاق أن تلعب أدوارها كاملة. وهذا يقتضي مواجهة اقتصاد الريع وممارسات المحاباة والزبونية والفساد وتضارب المصالح.
كما يقتضي مواجهة كل الممارسات التي يمكن أن تشوه المنافسة وتحد من تكافؤ الفرص.
المسألة ليست أخلاقية فقط. إنها اقتصادية وسياسية أيضا، لأن الاقتصاد الذي لا يوفر فرصا متكافئة لا يستخدم موارده البشرية والمالية بأفضل طريقة.
ولهذا تحتاج الحكومة الجديدة إلى جرأة إصلاحية حقيقية. ولا يتعلق الأمر هنا بجرأة إطلاق الشعارات والإعلانات.
بل يتعلق بمواجهة المصالح القائمة عندما تتحول إلى عائق أمام التنمية.
إلى أي مدى يمكن أن تذهب الحكومة في الإصلاح؟
هذه هي في نهاية المطاف المسألة التي تختصر كل ما سبق. فالحكومة الجديدة مطالبة بالاستجابة لانتظارات عاجلة.
وتشمل هذه الانتظارات التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية وتقليص الفوارق الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، عليها إطلاق إصلاحات هيكلية لن تظهر نتائجها إلا على المدى المتوسط والبعيد.
إصلاح الجهاز الإنتاجي والإصلاح الجبائي وتحسين فعالية الإنفاق العمومي تحتاج إلى وقت. وينطبق الأمر نفسه على إصلاح التعليم والتكوين وتحويل سوق الشغل وتعزيز المنافسة.
كما أن تقليص اقتصاد الريع والتبعيات الخارجية لا يمكن إنجازه في بضعة أشهر.
لقد حددت البرامج الانتخابية الطموحات. وفي المقابل، ترسم أرقام وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط حدود الإمكانات المتاحة.
أما الواقع الاقتصادي، فسيفرض الآن الاختيارات والتحكيمات.
المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة قادرة على التدبير. بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى حكومة قادرة على الإصلاح واستعادة الثقة.
حكومة تملك الجرأة لوضع البلاد على سكة التقدم. كما تحتاج إلى القدرة على مواجهة العوائق التي ما زالت تحد من مسار التنمية.
ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى تستطيع الحكومة الجديدة أن تذهب في طريق الإصلاح قبل أن تصطدم بالقيود الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
ربما هنا، أكثر من الوعود الانتخابية نفسها، سيتحدد المعنى الحقيقي لولاية الحكومة الجديدة.
*فاعل سياسي ووزير سابق