قراءة في تداعيات استخدام حق النقض “الفيتو” بـمجلس الأمن وتطور قضية الصحراء المغربية

يقدم الدكتور المصطفى قاسمي قراءة في الأبعاد الجيوسياسية والقانونية لاستخدام روسيا حق النقض بمجلس الأمن، وانعكاساته على تطور قضية الصحراء المغربية.
قراءة في تداعيات استخدام حق النقض “الفيتو” بـمجلس الأمن وتطور قضية الصحراء المغربية.

الدكتور المصطفى قاسمي (أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية ورئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية)

شهد ملف الصحراء المغربية منعطفاً تاريخياً حاسماً يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026. وجاء ذلك إثر استخدام روسيا حق النقض (“الفيتو”) ضد مشروع القرار الأمريكي بمجلس الأمن الدولي. وكان المشروع يرمي إلى تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة (المينورسو).

ولم يكن هذا التطور الاستثنائي مجرد تعثر ديبلوماسي عابر في أروقة الأمم المتحدة. بل شكّل هزة بنيوية في مسار النزاع الإقليمي المفتعل. كما توج ببلاغ تاريخي للديوان الملكي المغربي، أعلن فيه طي الملف نهائياً من أجندة المنظمة الدولية.

وانطلاقاً من هذه التطورات، تبرز مجموعة من التساؤلات. فما الأبعاد الجيوسياسية والقانونية لتداعيات “الفيتو” الروسي؟ وما مدى تأثيره على تكريس السيادة الفعلية للمغرب في صحرائه؟

أولاً: التطور التاريخي لملف الصحراء المغربية (من الاسترجاع إلى حسم الشرعية)

يمكن تقسيم المسار التاريخي للنزاع إلى ثلاث محطات أساسية. وقد حددت هذه المحطات معالم الوضع الراهن:

1. مرحلة الاسترجاع التاريخي وتأسيس الروابط (1975 – 1991):

توجت مسيرة الاسترجاع السلمي المظفرة بتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975. وقد مكنت هذه المسيرة المغرب من استرجاع أقاليمه الجنوبية. واستند ذلك إلى الروابط التاريخية والقانونية والبيعة الدينية والوطنية بين عرش السلاطين المغاربة وقبائل الصحراء.

وبعد ذلك، أُبرم اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 برعاية أممية. وتأسست بناءً عليه بعثة “المينورسو” كمهمة مؤقتة لمراقبة وقف إطلاق النار. كما كُلفت بالتمهيد لتنظيم استفتاء، تبينت استحالة تطبيقه ميدانياً وقانونياً وديموغرافياً منذ عقود.

2. مرحلة الجمود الدبلوماسي ومبادرة الحكم الذاتي (2007 – 2024):

أمام انسداد أفق الاستفتاء، تقدم المغرب سنة 2007 بمبادرة جريئة وواقعية. وتقضي هذه المبادرة بمنح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية.

ومنذ ذلك الحين، شهد مجلس الأمن تحولاً تدريجيًا في صياغة قراراته. وفي هذا السياق، توالت القرارات الأممية، خصوصاً خلال العقد الأخير. واعتبرت المبادرة المغربية الحل الأساسي والجاد والواقعي الوحيد الكفيل بإنهاء النزاع.

وبالتوازي مع هذا التحول، تقلصت تدريجياً طروحات الانفصال. وهكذا، برزت المبادرة المغربية بشكل متزايد ضمن المقاربات المطروحة لإنهاء النزاع.

3. مرحلة الحسم الدولي والتحول الميداني (2025 – أكتوبر 2026):

توجت هذه المسيرة باعترافات دولية واسعة النواة وسيادية من لدن قوى كبرى وعالمية بمغربية الصحراء.

وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797. وشكل هذا القرار ذروة الدعم الأممي لمقترح الحكم الذاتي. وبعد ذلك، جاءت محطة الجمعة 30 أكتوبر 2026، التي شهدت سقوط مشروع قرار التمديد بفيتو روسي.

كما تلا ذلك بلاغ ملكي حاسم يعلن الانتقال إلى مرحلة الحسم المطلق. وبذلك، دخل الملف محطة جديدة في مساره السياسي والدبلوماسي.

ثانياً: الفيتو الروسي يوم 30 أكتوبر 2026.. خلفيات الصراع وتكسير النمطية الأممية

جاء السقوط المفاجئ لمشروع القرار الأمريكي في 30 أكتوبر 2026 نتيجة تقاطعات تنافسية كبرى. وشملت هذه التقاطعات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين.

وفي هذا الإطار، وظفت موسكو حق النقض لأسباب ترتبط بتوازناتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، تعذر تمرير تمديد بعثة المينورسو.

ورغم أن الدافع الروسي لم يكن موجهاً ابتداءً لخدمة الأجندة المغربية، فإن مفرزاته القانونية والسياسية صبت في مصلحة الموقف المغربي الاستراتيجي. ويمكن إبراز ذلك من خلال مجموعة من النقاط:

كسر حلقة “التسويف المزمن”:

كان تحويل الوجود الأممي عبر المينورسو إلى آلية أبدية لإدارة الأزمة يخدم الخصوم. فقد ساهم هذا الوضع في إبقاء الملف مشتعلاً بدلاً من البحث عن حل نهائي.

ومن هذا المنطلق، أنهى الفيتو هذه الدوامة البيروقراطية. كما أعاد طرح مستقبل الوجود الأممي في المنطقة.

إسقاط المبرر القانوني للوضع الشاذ:

بانتهاء ولاية المينورسو، فقدت “المنطقة العازلة” مبرر وجودها الإجرائي الدولي. وبناءً على ذلك، يمنح هذا التطور المغرب غطاءً ميدانياً لإحكام سيادته الكاملة على شريطه الحدودي والترابي.

الاعتماد النهائي لآخر مرجعية متقدمة:

بقي القرار 2797 لسنة 2025 آخر وأقوى وثيقة رسمية صادرة عن المجلس. ويزكي هذا القرار مبادرة الحكم الذاتي كحل حصري.

وبالتالي، تظل الأطروحة المغربية، وفق هذه القراءة، في موقع القوة القانونية المطلقة.

ثالثاً: بلاغ الديوان الملكي وتكريس حقيقة “المغرب في صحرائه”

جاء رد الفعل الرسمي عبر بلاغ الديوان الملكي المغربي. وعكس البلاغ قراءة سياسية واستراتيجية بالغة العمق، تقوم على تحويل “الأزمة الإجرائية الأممية” إلى مكسب سيادي نهائي.

ويمكن إبراز هذه القراءة من خلال ثلاثة أبعاد أساسية:

1. طي الملف نهائياً من الأجندة الأممية:

أعلن المغرب عن انتهاء مبرر بقاء الملف رهيناً لمتاهات مجلس الأمن. وبذلك، يبرز توجه نحو تجاوز مسار التدبير الأممي الذي طبع النزاع خلال العقود الماضية.

2. الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة الترسيم السيادي:

يقوم هذا التوجه على تكريس الواقع الميداني الذي لا رجعة فيه. فالصحراء مغربية تاريخياً وقانونياً وفعلياً.

إضافة إلى ذلك، تشهد الأقاليم الجنوبية تنمية شاملة. وتجعل هذه التنمية الارتباط بالوطن الأم حقيقة جغرافية وبشرية لا تحتاج لتصديق خارجي.

3. السيادة المطلقة على صحرائه وحماية حدوده الشرعية:

أكد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار ضمن معادلة الردع الصارم. وفي المقابل، لن تمر أي محاولة للمساس بالسلامة الترابية للبلاد دون مواجهة.

كما أن محاولات خلق توترات وهمية في المنطقة العازلة ستواجه، وفق هذا الموقف، برد عسكري وسيادي حازم من القوات المسلحة الملكية.

خاتمة

أثبتت أحداث الجمعة 30 أكتوبر 2026 أن قضية الصحراء المغربية تجاوزت مرحلة النقاشات داخل أروقة الأمم المتحدة. وجاء استخدام روسيا للفيتو وإسقاط تمديد المينورسو ليشكل محطة مفصلية في هذا المسار.

وعقب ذلك، صدر الإعلان الملكي الحازم بسحب الرهان على متاهات مجلس الأمن. ونتيجة لهذه التطورات، وجد خصوم الوحدة الترابية أنفسهم أمام باب مسدود حقيقي.

وفي السياق ذاته، أُسدل الستار عملياً على وهم “التقرير الأممي المفتوح”. وأصبح المغرب يدير سيادته المطلقة على كامل ترابه الوطني، من المنظومة المحلية إلى أقصى الحدود.

وبذلك، يسجل هذا المسار انتصاراً تاريخياً لمنطق الحق التاريخي والدبلوماسية الاستباقية.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts