قراءة في مقاربة محمد العودي لمقاولات الفقر بالدارالبيضاء.. حين تكتب المدينة فقرها! (الحلقة 2)

محمد العودي

أحمد نشاطي

قرأت العديد من الكتب، التي تتناول الفقر، لكن ليست كلها تُنجز فعلا قراءة للفقر، كثير منها يكتفي بوصف مظاهره، أو بتعداد مؤشراته، أو بتكرار لغة تقنية باردة تخفي أكثر مما تكشف… لكن كتاب الدكتور محمد العودي “الدارالبيضاء.. من خلال صغار مقاولي الفقر”، الذي أصدرت دار التوحيدي ترجمته العربية خلال شهر ماي 2026، يذهب إلى مكان آخر، إلى قلب المدينة. فهو يقرأ ما تختزنه شوارعها من حياة هشة، كما يكشف ما تخفيه أرصفتها من اقتصاد كامل، وما تكتبه يوميا من مسارات صامتة عن المغرب، الذي لا يظهر في البلاغات الرسمية.

كتاب يقرأ المدينة من أسفل

الكتاب، في الأصل، هو أطروحة دكتوراه الدولة في الجغرافيا الاجتماعية أنجزها الدكتور محمد العودي في جامعة بواتييه في فرنسا سنة 1998 تحت عنوان: “مقاولو الفقر وأنشطة تجارة الشوارع في الدارالبيضاء”. وقد صدر هذا العمل لأول مرة في المغرب سنة 2001 باللغة الفرنسية عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة الحسن الثاني عين الشق بالدارالبيضاء. بعد ذلك، رأى النور أخيرا في ترجمة عربية بعد نحو ربع قرن من صدوره الأول. وهكذا، أصبح متاحا أمام جمهور أوسع من القراء والمهتمين بالشأن الاجتماعي المغربي.

كتاب الدكتور محمد العودي ليس كتابا عن الدارالبيضاء فقط. إنه، في العمق، كتاب عن المغرب نفسه، حين يجري النظر إليه من زاوية الشارع، من زاوية أولئك الذين لا يملكون رأسمالا سوى أجسادهم. وأيضا لا يملكون من المدينة سوى “حقّ مؤقت” في زاوية رصيف، أو مساحة ضيقة في “جوطية”، أو انتظار طويل في “موقف” قد يفتح باب رزق يومي أو يتركهم في مواجهة فراغ جديد.

الدارالبيضاء.. مدينة وُلدت من مفارقة تاريخية

وكما يُذكّرنا الدكتور العودي، فإن “انبثاق الدارالبيضاء كحاضرة كبرى للبلاد ارتبط عمليا بالمشروع الاستعماري”، ذلك المشروع الذي “أدى إلى تحويل مركز الثقل في الاقتصاد الوطني نحو الساحل الأطلسي”، نحو ما سمّاه المقيم العام ليوطي “المغرب النافع”… وهكذا، فإن “الوجه الآخر” للمدينة، وفق تحليل الدكتور العودي، “ناتج ثانوي” أفرزه “نمط إنتاج رأسمالي تم إدخاله عنوة في فضاء لم يكن مهيأ لاستقباله”. فـ”التداخل البنيوي بين أشكال مختلفة من الإنتاج والعمل”، الذي أحدثته “الهجمة الاستعمارية”، هو ما أنتج “شبكة الأنشطة الهشّة”، التي “لا معنى لها إلا في ضوء العوامل، التي أفرزها النظام الجديد: هجرة قروية، وانفجار ديمغرافي، وبطالة مقنَّعة، ومتطلّبات البقاء في الوسط الحضري”. وهكذا، فإن “الاقتصاد غير المهيكل”، الذي قد نرغب أن نراه “بقايا”، هو في الحقيقة “صيغة عشوائية من صيغ العمل” أُدرجت “ضمن البنية الإنتاجية الجديدة”. كما أنه “لم يعد تكاثرها نابعا من تنظيم داخلي ذاتي”.

منذ الصفحات الأولى، يضعنا الباحثُ أمام حقيقة غالبا ما نتفاداها: المدينة الحديثة ليست فقط ما يُبنى فوق الأرض، إنها أيضا ما يُدفع إلى الهامش. فبينما يجري تقديم الدارالبيضاء بوصفها القلب الاقتصادي للمغرب، تكشف دراسة الدكتور محمد العودي عن وجه آخر للعاصمة الاقتصادية، وجه مغاير لما يجري تقدير وتحديد حيويته بحجم الاستثمارات وبارتفاع الأبراج. في المقابل، هناك وجه مختلف يُقاس بقدرة فئات واسعة على اختراع وسائل يومية للبقاء داخل نظام اقتصادي لا يعترف بها إلا حين يحتاج إليها.

هنا تكمن قوة مفهوم “مقاولات الفقر”، الذي اختاره الدكتور محمد العودي. فهو مفهوم ذكي، وربما صادم، لأن الفقر، في هذا التصور، يتعدى مجرد حالة عوز أو نقص أو حاجة أو غياب للموارد. بل يتبلور كنشاط وكجُهد لإنتاج الحد الأدنى من الحياة. ومن هذه الزاوية، لا يجري تقديم الفقراء في الكتاب كضحايا سلبيين، وإنما كفاعلين يبتكرون، وينظّمون، ويتنقلون، ويعيدون تشكيل المجال الحضري. كما يبنون اقتصادا كاملا في الظل، اقتصادا تسميه الدولة ومحللون وباحثون “الاقتصاد غير المهيكل”، لكنه في الواقع أكثر انتظاما مما يبدو، وأكثر مركزية مما نتصور.

الهامش الذي يحفظ توازن المدينة

وهنا يتجاوز الدكتور محمد العودي مجرد الوصف المحلي ليضع دراسته في حوار ضمني مع مقاربات عالمية: فمفهوم “اقتصاد البقاء”، الذي طوره جيمس كاتس، أو مفهوم “الفقراء الحضريين” لدى كليفورد جيرتز في جاكارتا، يجد في الدارالبيضاء تجليا مغربيا يختلف في تفاصيله لكنه يتقاطع في جوهره. الفقر ليس غيابا، إنه شكل من أشكال الإنتاج الاجتماعي.

هذه إحدى المفارقات، التي يكشفها الكتاب بوضوح: ما نسميه “هامشا” قد يكون، عمليا، جزءا من صلب التوازن الاجتماعي. فالاقتصاد غير المهيكل غالبا ما يُنظر إليه باعتباره بقايا نظام تقليدي لم تلحقه الحداثة. لكنه، في الواقع وفي حالات كثيرة، نتيجة مباشرة لحداثة ناقصة، أو لتحول اقتصادي لم يستطع أن يدمج الجميع. إنه الوجه الآخر لتحضّر غير مكتمل، ولنموّ يُنتج الثروة في جهة، ويعيد إنتاج الهشاشة في جهات أخرى…

ولعل ما يمنح هذا العمل أهميته الخاصة أنه لا يسقط في إغراء الرومانسية الاجتماعية. فهو لا يحتفي بالفقر، ولا يُجمّل اقتصاد البقاء، ولا يحاول أن يقدّمه بوصفه “مرونة شعبية” يمكن الاحتفاء بها. على العكس، ثمة حس نقدي واضح في خلفية الكتاب: هذا العالم، بكل ما فيه من قدرة على التكيف، هو أيضا دليل على فشل أعمق، فشل في العدالة، فشل في التخطيط، فشل في توزيع الفرص، وفشل في بناء مدينة تتسع فعلا لجميع سكانها…

ومن هنا تأتي راهنية هذا الكتاب اليوم، وربما أكثر من زمن إنجازه الأول، مما يجعل أطروحته استباقية بذكاء استشرافي. ففي مغرب يتحدث اليوم كثيرا عن الدولة الاجتماعية، وعن تعميم الحماية الاجتماعية، وعن تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، يصبح من الضروري العودة إلى المقاربة النوعية للدكتور محمد العودي. لذلك، يجب العودة أيضا إلى مثل هذه الأعمال، التي تذكّرنا بأن العدالة الاجتماعية لا يمكن قياسها فقط بما يجري الإعلان عنه في البرامج من مخططات ومشاريع وأوراش وأرقام. العدالة الاجتماعية تقاس أيضا بما يحدث في الشارع، حيث يختبر الناس، كل يوم، معنى الكرامة أو غيابها…

لقد كانت الدارالبيضاء، خلال جائحة كورونا، أمام ما يشبه “اختبار الحقيقة” لفرضيات الدكتور العودي: حين أُغلقت الأسواق وتوقفت “الجوطيات”، اكتشفنا حجم الاقتصاد غير المهيكل، مثلما اكتشفنا أيضا أن الدولة لا تستطيع، رغم إرادتها، أن تستغني عنه. فالشارع الذي يُعتبر “هامشا” أصبح، في لحظة الأزمة، “مركزا” لا يمكن الاستعاضة عنه.

باحث وناشر ومترجمان

ولا تكتمل قراءة هذا الكتاب الأطروحة دون التوقف عند جهد الترجمة في إعادة بعث هذا العمل وإيصاله إلى جمهور أوسع من القراء والباحثين. فقد نهض بهذه المهمة كل من محمد البشير الزناكي ونور الدين السعودي، وهما من بين أكثر الأسماء المغربية تمكنا من ناصية الترجمة، خصوصا حين يتعلق الأمر بالنصوص الفكرية والأكاديمية، التي تتطلب، إلى جانب الدقة اللغوية، قدرة خاصة على نقل المفاهيم والسياقات والروح العلمية للنص. وقد بدا واضحا، من خلال هذا الإصدار، أن الأمر لا يعدو مجرد ترجمة تقنية باردة، بقدر ما يتعلق بعمل ثقافي واعٍ، أعاد لهذا البحث الحيوي حضوره في المجال العربي. وفتح له أفقا جديدا من التداول والنقاش…

ولا يقل عن ذلك أهمية الدور، الذي قامت به دار التوحيدي للنشر والتوزيع، التي واصلت، بقيادة مدير نشرها الكاتب والناشر حميد أحمد المرادي، رهانها الثقافي على الكتب الفكرية والمعرفية الجادة، وعلى إعادة الاعتبار للنصوص، التي تساعد على فهم المجتمع المغربي وتحولاته العميقة. فإصدار عمل بهذا الحجم وبهذه القيمة، في زمن تزداد فيه صعوبة الرهان على الكتاب الفكري، ليس مجرد فعل نشر عادٍ، إنه مساهمة ثقافية واعية في توسيع دائرة النقاش العمومي. كما يمثل إغناء المكتبة المغربية والعربية بنصوص مرجعية تستحق أن تُقرأ وتُتداول…

وهكذا في استقبالنا لهذا الكتاب المهم للدكتور محمد العودي، نكون نستقبل أيضا ثمرة وفاء معرفي جماعي: وفاء المؤلف لأسئلته الكبرى، ووفاء المترجميْن لحق هذا العمل في أن يُقرأ من جديد، ووفاء الناشر لفكرة أن الثقافة الجادة تستحق المغامرة والدفاع عنها…

أسئلة ما تزال المدينة تطرحها

إن قراءة هذا الكتاب اليوم لا تتغيّى، بأي حال، العودة إلى أرشيف أكاديمي، إنها مواجهة راهنة مع سؤال لا يزال مفتوحا: هل تغيرت المدينة فعلا؟ هل استطاع المغرب أن يُقلّص تلك المسافة بين المدينة الرسمية والمدينة الفعلية؟ بين الاقتصاد المعلن والاقتصاد الذي يضمن، بصمت، عيش آلاف الأسر؟

ربما تغيّرت الواجهات. واختفت بعض “الجوطيات” وظهرت أخرى. وربما تبدلت اللغة، وصارت السياسات العمومية أكثر وعيا بمفردات الإدماج والحماية. لكن جوهر السؤال ما يزال قائما: ماذا نفعل بكل أولئك الذين يحملون المدينة على أكتافهم دون أن تعترف بهم المدينة؟

لهذا، أعتقد أنه لا ينبغي أن يُقرأ كتاب الدكتور محمد العودي بوصفه دراسة عن ماضينا، إنه وثيقة حية تساعدنا على فهم حاضرنا. إنه دعوة إلى النظر من جديد إلى ما اعتدنا تجاهله، إلى اقتصاد الظل، وأيضا إلى إنسان الظل، الذي لا يطلب أكثر من موطئ قدم داخل مدينة ساهم، رغم كل شيء، في صنعها…

وقد تكون هذه أهم رسالة يتركها لنا هذا العمل: أن المدينة لا تُفهم فقط من أعلى، من خرائطها الرسمية ومشاريعها الكبرى، إنها تُفهم أيضا من أسفل، من شوارعها الضيقة، من باعة الرصيف، من صغار الحرفيين، من أولئك الذين حوّلوا الفقر إلى شكل من أشكال المقاومة اليومية… هناك، بالضبط، حيث يكتب الناس حياتهم خارج الإحصاءات، تَكتب المدينة حقيقتها…

الوفاء.. السيرة الأخرى للباحث

ولمزيد من الإضاءة المؤطرة لهذا العمل، يمكن التوقف عند ما تكشفه صفحاته الأولى من حس عميق بالوفاء والعرفان لدى صاحبه. فالإهداء، الذي افتتح به الدكتور محمد العودي كتابه، كما كلمات الشكر، التي ختم بها تقديمه، لا يبدوان مجرد تقليد شكلي يرافق الأعمال الأكاديمية. إنهما يقدمان صورة عن رجل ظل وفيا للأشخاص، الذين عبروا حياته، وللروابط الإنسانية والعائلية والنضالية، التي ساهمت في تشكيل وعيه ومساره.

فإلى جانب استحضاره المؤثر لوالديه ولحماه الراحل ولزوجته الدكتورة رقية حكيمي، يخص المؤلف بذكر خاص ابن عمه السينمائي الراحل محمد الرݣاب، صاحب الفيلم المغربي الشهير “حلاق درب الفقراء”، والذي كان يربطه به، بالإضافة إلى صلة القرابة، مشروع مشترك لإنجاز أفلام وثائقية حول عالم الفقراء والنساء العاملات في الصناعات البحرية والغذائية وغيرها من الفئات، التي ظلت تشكل محور اهتمامهما معا.

وفي خاتمة تقديم الكتاب، تتسع دائرة الوفاء لتشمل الذاكرة النضالية لجيل كامل، حيث يستحضر المؤلف، بكل إجلال، أسماء راسخة في تاريخ النضال الديمقراطي المغربي، من قبيل الشهيدين سعيدة المنبهي وعبد اللطيف زروال، كما يستحضر المناضل الوطني الراحل محمد الوديع وزوجته الشاعرة والمناضلة ثريا السقاط، وابنيهما المعتقلين السابقين صلاح الوديع وشقيقه الراحل عزيز الوديع، وما تعرضت له الأسرة من معاناة مريرة، شأنها شأن عائلات مغربية كثيرة، دافعت باستماتة عن قيم الحرية والكرامة والعدالة، ودفعت ثمنا غاليا من حياة وحريات بناتها وأبنائها…

ولعل هذا الحس النادر بالوفاء، سواء للعائلة أو للأصدقاء أو للرفاق أو لرموز جيل كامل من المناضلين، يمنح القارئ مفتاحا إضافيا لفهم هذا الكتاب نفسه. فهو يكشف ملامح من ذلك “المسار” و”الطريق”، الذي نهجه الباحث وهو يكتب عن الفقراء والهامش والعدالة الاجتماعية، من موقع إنسان ظل يحمل، في عمق تجربته، أثر الناس الذين أحبهم، والرفاق الذين تقاسم معهم الحلم نفسه، والإيمان المستمر بقيم الكرامة والإنصاف والأمل…

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts