ما يزال هجوم البوليساريو على السمارة يثير موجة إدانات عربية وغربية واسعة، بعدما اعتبرت عدة عواصم أن استهداف المدينة يشكل تهديدا للاستقرار الإقليمي، ومسارا معاكسا للجهود الأممية الرامية إلى إحياء الحل السياسي لنزاع الصحراء.
وتحول الهجوم، الذي نُسب إلى جبهة “البوليساريو”، إلى محطة دبلوماسية جديدة كشفت اتساع الدعم الدولي للمغرب، خاصة في ظل تصاعد المواقف المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها أساسا جديا وواقعيا لإنهاء نزاع دام قرابة نصف قرن.
وتزامنت هذه الإدانات مع دعوات غربية وعربية إلى تجنب التصعيد العسكري، والعودة إلى منطق الحوار، في وقت جددت فيه الولايات المتحدة التأكيد على أن المقترح المغربي للحكم الذاتي يشكل مسارا جديا نحو السلام، كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797.
هجوم البوليساريو على السمارة يوسع دائرة الاستنكار
أدانت بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة هجوم البوليساريو على السمارة، معتبرة أن هذه الأعمال تهدد الاستقرار الإقليمي والتقدم المحرز نحو السلام. كما شددت على أن مثل هذا العنف يتعارض مع أجواء الحوار التي طبعت المحادثات الأخيرة.
ولم تكتف واشنطن بالإدانة. فقد ربطت موقفها بضرورة إنهاء النزاع، مؤكدة أن “الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر”. كما دعت الأطراف الرافضة للسلام إلى الانخراط البناء في مسار يؤدي إلى مستقبل أكثر استقرارا.
ويحمل هذا الموقف دلالة سياسية قوية. فالإدانة صدرت عن بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أي في قلب الفضاء الأممي الذي يحتضن مسار التسوية.
كما أن ربط الهجوم بمبادرة الحكم الذاتي يعزز القراءة التي ترى في التصعيد العسكري محاولة لإرباك الدينامية الدبلوماسية التي يعرفها الملف.
الإمارات تجدد دعمها للمغرب
عربيا، أدانت دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر وزارة خارجيتها، الهجوم على مدينة السمارة. ووصفت أبوظبي الاعتداء بأنه “هجوم إرهابي”، مؤكدة رفضها لكل أشكال العنف والتطرف التي تهدد الأمن والاستقرار.
وجددت الإمارات موقفها الثابت الداعم للمغرب، ولسيادته ووحدة أراضيه. ويأتي هذا الموقف ضمن خط دبلوماسي واضح حافظت عليه أبوظبي خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية.
كما توالت مواقف عربية أخرى داعمة للرباط، وفق ما نقلته تقارير إعلامية، حيث عبرت عواصم خليجية عن تضامنها مع المغرب ورفضها لأي تهديد لأمنه واستقراره. وتبقى هذه المواقف جزءا من اصطفاف عربي واضح إلى جانب الوحدة الترابية للمملكة.
ويؤكد هذا التفاعل العربي أن استهداف السمارة لم يُقرأ كحادث معزول. بل اعتبرته عدة أطراف مساسا بأمن منطقة تحتاج إلى التهدئة، لا إلى التصعيد.
باريس ولندن تحذران من تقويض المسار الأممي
انضمت فرنسا وبريطانيا إلى موجة الإدانات الغربية. فقد أدانت باريس الهجوم الذي طال السمارة، معتبرة أن مثل هذه الأعمال تمثل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي، وقد تقوض العملية السياسية المدعومة من مجلس الأمن.
كما أدانت السفارة البريطانية بالرباط هجوم 5 ماي، وحذرت من أنه قد يضعف جهود السلام. ودعت لندن جميع الأطراف إلى الانخراط بروح التوافق من أجل التوصل إلى حل دائم للنزاع.
وتكتسي المواقف الفرنسية والبريطانية أهمية خاصة. فالدولتان عضوان دائمان في مجلس الأمن، ولهما وزن داخل النقاش الأممي حول الصحراء.
وتعزز هذه الإدانات صورة “البوليساريو”، المدعومة من الجزائر، كطرف يتحمل مسؤولية التصعيد، في وقت يطالب فيه المجتمع الدولي باستئناف الحوار والالتزام بقرارات مجلس الأمن.
دي ميستورا والمينورسو يدعوان إلى وقف التصعيد
على المستوى الأممي، عبر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، عن قلقه من الهجوم الصاروخي قرب السمارة. وشدد، وفق ما نقلته الأمم المتحدة، على أن المرحلة يجب أن تكون للحوار والمفاوضات، لا للتصعيد العسكري.
وتبرز هذه الرسالة أن الأمم المتحدة تنظر إلى الهجوم باعتباره تطورا مقلقا. كما تضعه في سياق الحاجة إلى حماية المسار السياسي من العودة إلى منطق المواجهة.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تستمر فيه بعثة “المينورسو” في تتبع التطورات الميدانية، ضمن مهامها المرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار ودعم الاستقرار.
كما أن التحذير الأممي من التصعيد يعزز موقف الدول التي رأت في الهجوم محاولة لإرباك المسار السياسي الجديد الذي أعاد قرار مجلس الأمن 2797 دفعه إلى الواجهة.
قرار 2797 والحكم الذاتي في قلب المواقف
أعاد الهجوم تسليط الضوء على القرار الأممي 2797، الذي منح المبادرة المغربية للحكم الذاتي موقعا متقدما داخل مسار البحث عن حل سياسي. وقد دعت عدة مواقف إلى التفاوض الجاد على هذا الأساس، بدل العودة إلى التصعيد.
وتنظر الرباط إلى مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي، يقوم على منح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم، في إطار السيادة المغربية.
وتؤكد المواقف الأمريكية والفرنسية والبريطانية أن هذا المقترح لم يعد مجرد خيار مغربي. بل أصبح مرجعية حاضرة بقوة في الخطاب الدولي حول النزاع.
وهذا ما يجعل الهجوم على السمارة، سياسيا، موجها ضد دينامية دولية أوسع. فالتصعيد العسكري يصطدم مباشرة بالتحول التدريجي نحو دعم حل سياسي عملي، بدل الإبقاء على نزاع مفتوح.
تحركات أمريكية ضد البوليساريو
بالتوازي مع هذه الإدانات، يعرف الكونغرس الأمريكي تحركات تشريعية تستهدف جبهة “البوليساريو”. فقد قدم السيناتورات تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت مشروع قانون يحمل اسم “قانون تصنيف جبهة البوليساريو كجهة إرهابية لعام 2026” “Polisario Front Terrorist Designation Act of 2026”.
ويدعو المشروع وزارة الخارجية الأمريكية إلى النظر في تصنيف “البوليساريو” كمنظمة إرهابية، إذا ثبت تعاونها مع مجموعات إيرانية مدرجة على لوائح الإرهاب. كما يسلط الضوء على اتهامات تتعلق بعلاقات محتملة مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله.
ويحمل هذا التحرك دلالة سياسية واضحة. فالنقاش داخل واشنطن لم يعد يقتصر على ملف الصحراء كقضية نزاع إقليمي. بل بدأ يربطه بأمن الساحل وشمال إفريقيا، وبالنفوذ الإيراني، وبتهديدات الطائرات المسيرة والأسلحة العابرة للحدود.
تصعيد يضع الجزائر تحت الضغط
تقدم عدة قراءات الهجوم في سياق الدعم الذي تتلقاه “البوليساريو” من الجزائر. ورغم أن الإدانات الدولية تركز أساسا على الجبهة، فإنها تزيد الضغط السياسي على الجزائر، باعتبارها الطرف الحاضن والداعم للانفصاليين.
ويأتي هذا الضغط في لحظة تعرف فيها المنطقة توترا أمنيا متزايدا. فالساحل يعيش هشاشة أمنية واسعة. كما أن شمال إفريقيا يحتاج إلى مزيد من التنسيق، لا إلى فتح جبهات توتر جديدة.
ولهذا السبب، تبدو الإدانات الدولية الأخيرة أكثر من مجرد تضامن مع المغرب. فهي تحمل رسالة إلى الأطراف التي تراهن على التصعيد، مفادها أن المجتمع الدولي يتجه نحو تثبيت مسار سياسي على أساس الحكم الذاتي.
وبقدر ما يؤكد المغرب تمسكه بالحوار تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن هذه المواقف تمنحه دعما إضافيا في مواجهة أي محاولة لنقل النزاع من طاولة التفاوض إلى منطق المقذوفات.
موجة إدانات تعزز الموقف المغربي
تكشف موجة الإدانات العربية والغربية أن هجوم البوليساريو على السمارة تحول إلى ارتداد دبلوماسي على الجبهة. فبدل فرض واقع جديد، أعاد الهجوم توحيد مواقف كثيرة حول ضرورة حماية الاستقرار، ودعم الحل السياسي، ورفض العنف.
كما عزز هذا التطور موقع مبادرة الحكم الذاتي داخل النقاش الدولي. فكلما اختارت “البوليساريو” التصعيد، زادت قناعة عواصم مؤثرة بأن الحل يحتاج إلى مسار واقعي، لا إلى استمرار وضع مفتوح منذ عقود.
وبين واشنطن وباريس ولندن وأبوظبي ومواقف أممية داعية إلى التهدئة، يظهر أن الرسالة الدولية باتت أكثر وضوحا. أمن المنطقة ليس مجالا للمغامرة. ومسار السلام لا يمكن أن يتقدم تحت ضغط الهجمات. والحل السياسي الجاد يمر عبر التفاوض، لا عبر استهداف المدن.