الحكامة العالمية أمام اختبار إصلاح مؤسسات لم تعد تواكب التحولات الدولية

يدعو عبد السلام الصديقي إلى إصلاح الحكامة العالمية وتحديث المؤسسات الدولية، في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية وتزايد التوترات التجارية والجيوسياسية.
الحكامة العالمية أمام اختبار إصلاح مؤسسات لم تعد تواكب التحولات الدولية

تواجه الحكامة العالمية تحديا متزايدا بفعل اتساع الفجوة بين التحولات الاقتصادية والسياسية الدولية. وقدرة المؤسسات القائمة على مواكبتها.

ويرى عبد السلام الصديقي، الاقتصادي والوزير السابق، أن استمرار هذه الفجوة يهدد فعالية التعاون الدولي. وشرعية المؤسسات التي تدبر العلاقات بين الدول.

وفي مقال بعنوان «الحكامة العالمية: عالم جديد ومؤسسات من زمن مضى»، يدعو الصديقي إلى إصلاح منظومة التعددية الدولية. بدل التخلي عنها لفائدة منطق القوة.

ويعتبر أن التحدي الأساسي يتمثل في تحديث قواعد التعاون، بما يعكس التحولات التي شهدها العالم منذ تأسيس المؤسسات الدولية الرئيسية.

وتبرز هذه الإشكالية في عمل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. فعلى الرغم من اختلاف اختصاصات هذه المؤسسات، فإنها تواجه أسئلة مشتركة بشأن التمثيلية، وتوزيع النفوذ، وقدرتها على التعامل مع الأزمات العابرة للحدود.

مجلس الأمن وغياب التمثيلية الدائمة لإفريقيا

تأسست الأمم المتحدة سنة 1945، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون بين الدول. غير أن تركيبة مجلس الأمن لا تزال تعكس موازين القوى التي سادت خلال تلك المرحلة.

ويضم المجلس خمس دول دائمة العضوية، هي الصين والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا. وتتمتع هذه الدول بحق النقض، الذي يسمح لأي منها بإسقاط مشروع قرار غير إجرائي، حتى عندما يحظى بتأييد أعضاء آخرين.

ويثير هذا الامتياز نقاشا متواصلا بشأن قدرة المجلس على اتخاذ قرارات فعالة في مواجهة الأزمات الدولية. كما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس التحولات السياسية والاقتصادية العالمية على تركيبة المؤسسة المكلفة بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

وتبرز إفريقيا ضمن المناطق التي تطالب بتغيير هذا الوضع. فالقارة تضم 54 دولة عضوا في الأمم المتحدة، لكنها لا تتوفر على مقعد دائم في مجلس الأمن.

وفي المقابل، يطرح إصلاح المجلس تحديا مؤسساتيا معقدا، لأن تغيير تركيبته يخضع لإجراءات تتطلب موافقة الدول المعنية، بما فيها الدول الدائمة العضوية. لذلك، يدعو الصديقي إلى البحث عن حلول توافقية تعزز التمثيلية وتحد من شلل المؤسسات أمام الأزمات الكبرى.

منظمة التجارة العالمية تدعو إلى تكييف القواعد مع الاقتصاد الجديد

لا تقتصر تحديات الحكامة العالمية على الجانب السياسي، بل تشمل أيضا النظام التجاري الدولي. فقد تناول تقرير منظمة التجارة العالمية لسنة 2026 التحولات التي تضغط على قواعد التجارة متعددة الأطراف، في ظل تغير موازين القوى الاقتصادية وتزايد التوترات الجيوسياسية.

وأشار التقرير إلى أن النظام التجاري يواجه تحديات مرتبطة بتدخل الحكومات في الاقتصاد، وإعادة تنظيم سلاسل القيمة العالمية، وانتشار التجارة الرقمية، وتطور الذكاء الاصطناعي، والسياسات البيئية.

كما أبرز التقرير أن قواعد التجارة الحالية لم تواكب بالسرعة الكافية بعض التحولات التي عرفها الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، تظل المنظمة إطارا أساسيا لتنظيم المبادلات وتوفير قدر من الاستقرار والقدرة على التنبؤ بالسياسات التجارية.

وبحسب التقرير، فإن نحو 72 في المائة من تجارة السلع العالمية لا تزال تجري وفق شروط التعريفة الأكثر تفضيلا المرتبطة بقواعد المنظمة. ويعكس ذلك استمرار أهمية النظام متعدد الأطراف، رغم الخلافات التي تواجهه.

وحذر التقرير من التكلفة الاقتصادية المحتملة لتراجع التعاون التجاري. وتشير سيناريوهاته إلى أن تفكك النظام التجاري إلى تكتلات متنافسة قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 5.1 في المائة، بينما قد يؤدي تعزيز التعاون متعدد الأطراف إلى رفعه بنحو 2.9 في المائة.

وتظل هذه الأرقام نتائج لمحاكاة اقتصادية افتراضية، وليست توقعات مؤكدة لمسار الاقتصاد العالمي. لكنها توضح حجم المخاطر المرتبطة بإضعاف القواعد المشتركة، خصوصا بالنسبة إلى الاقتصادات الأقل قدرة على مواجهة القيود التجارية.

ومن هذا المنطلق، يدعو الصديقي إلى الجمع بين الانفتاح التجاري وتحيين القواعد المنظمة للمبادلات. كما يشدد على ضرورة مواكبة العمال والمناطق المتضررة من التحولات الاقتصادية، حتى لا تتركز مكاسب التجارة لدى فئات محدودة.

صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أمام سؤال التمثيلية

تواجه المؤسسات المالية الدولية بدورها مطالب بتطوير آليات صنع القرار. ويشمل ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين تأسسا في سياق تاريخي مختلف عن الواقع الاقتصادي الحالي.

ويرتبط جانب من هذه المطالب بتغير الوزن النسبي للاقتصادات الصاعدة والبلدان النامية. كما يتصل بتوزيع حقوق التصويت والقدرة على التأثير في القرارات المتعلقة بالتمويل والاستقرار المالي والتنمية.

ويشير الصديقي إلى أن تطوير الحكامة الاقتصادية العالمية يتطلب تناسبا أكبر بين المساهمات والمسؤوليات والقدرة على اتخاذ القرار. ولا يعني ذلك، بحسب طرحه، وضع البلدان المتقدمة في مواجهة البلدان النامية، بل توسيع المشاركة في القضايا التي تؤثر في الجميع.

وتشمل هذه القضايا معالجة الديون، وتمويل التنمية، والاستقرار المالي، ومواجهة التحولات البيئية والرقمية. وهي ملفات يصعب التعامل معها بصورة مستدامة عندما تظل مشاركة بعض البلدان محدودة في صياغة القرارات.

التجارة والتعاون الاقتصادي في خدمة السلام

يربط الصديقي بين إصلاح المؤسسات الدولية وإمكانية تعزيز السلم. ويرى أن المبادلات التجارية المنتظمة، عندما تقوم على قواعد مشتركة ومنافع متبادلة، يمكن أن توسع مجالات الحوار وتخلق مصالح مشتركة بين الدول.

غير أن هذا الترابط لا يشكل ضمانة مطلقة ضد النزاعات. فقد تتحول العلاقات الاقتصادية إلى وسيلة للضغط السياسي، كما يمكن أن يؤدي التوزيع غير المتكافئ لمكاسب الانفتاح إلى زيادة التوترات الاجتماعية والاقتصادية.

لذلك، يدعو الكاتب إلى إرساء قواعد تجارية واضحة ومستقرة، بالتوازي مع سياسات تتيح لعدد أكبر من الدول والسكان الاستفادة من الثروة الناتجة عن المبادلات.

ويعتبر أن توزيع المكاسب ليس مسألة أخلاقية فقط، بل عنصر مهم لاستدامة التعاون الاقتصادي. فعندما تتاح فرص العمل والاستثمار والتنمية على نطاق أوسع، تصبح المبادلات أكثر قدرة على دعم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يرفض الصديقي الاختيار بين تعددية دولية مثالية وسيادة وطنية بلا حدود. ويرى أن المطلوب هو تطوير نظام يحافظ على القواعد المشتركة، مع تحسين تمثيلية مختلف المناطق وتعزيز مشاركة الدول الأقل قوة.

كما يشدد على ضرورة إصلاح المؤسسات القائمة، بدلا من هدم ما حققته خلال العقود الماضية. فالتحدي، في نظره، يتمثل في جعلها أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.

ويخلص الكاتب إلى أن عالم سنة 2026 يختلف عن العالم الذي نشأت فيه الأمم المتحدة سنة 1945، وعن السياق الذي تأسست فيه منظمة التجارة العالمية سنة 1995. لذلك، يدعو إلى تطوير المؤسسات الدولية حتى تواكب الواقع الجديد، وتمنح التعاون والرخاء المشترك فرصا أكبر لمواجهة منطق المواجهة والصراع.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts