دخلت الحكومة المغربية الجديدة مرحلة العمل الرسمي، عقب تعيين أعضائها من طرف الملك محمد السادس، الجمعة 16 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط.
وتترأس فاطمة الزهراء المنصوري هذه الحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة السلطة التنفيذية في المغرب.
ويجمع تشكيل الحكومة الجديدة بين استمرار عدد من الوزراء في مناصبهم، وتغيير أسماء أخرى في قطاعات أساسية. كما يطرح التعيين تحديا يرتبط بترجمة التوجهات المعلنة إلى إجراءات عملية، تستجيب لانتظارات المواطنين في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.
ويأتي هذا التغيير في سياق سياسي جديد، عقب الانتخابات التشريعية وتشكيل أغلبية حكومية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. وقد أعلنت الأحزاب الأربعة توافقها على تشكيل أغلبية تستند إلى برنامج حكومي مشترك.
رئاسة امرأة للحكومة تفتح مرحلة جديدة
يحمل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة دلالة سياسية ومؤسساتية، باعتباره سابقة في تاريخ الحكومات المغربية. ويضع هذا التطور مسألة حضور المرأة في مراكز القرار ضمن أبرز ملامح المرحلة الجديدة.
غير أن أهمية هذا التغيير ستظل مرتبطة أيضا بقدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها، وتحديد أولويات واضحة، وتحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين. فتمثيلية النساء في أعلى منصب تنفيذي تكتسب بعدا عمليا حين تقترن بتدبير السياسات العمومية ومتابعة نتائجها.
وفي المقابل، يطرح تشكيل الفريق الحكومي أسئلة بشأن طبيعة التوازن بين تجديد النخب واستمرار بعض المسؤولين في مواقعهم. كما يبرز تحدي التنسيق بين القطاعات، بما يضمن انسجام القرارات وتفادي تداخل الاختصاصات.
ويأتي هذا المسار في إطار مشاورات سياسية أعقبت تعيين المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها يوم 29 شتنبر الماضي. وبعد ذلك، أعلن أربعة أحزاب تشكيل الأغلبية الحكومية، قبل أن تكتمل التعيينات الرسمية لأعضاء الفريق الجديد.
توجه سياسي معلن واختبار أمام انتظارات المواطنين
تعكس تركيبة الأغلبية الجديدة رغبة الأحزاب المشاركة في تقديم فريق حكومي منسجم، قادر على تنفيذ برنامج مشترك. وكان بيان تشكيل الأغلبية قد أشار إلى معايير الكفاءة والحس السياسي والنزاهة، إلى جانب أهداف تشمل العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتعزيز القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
لكن هذه المبادئ تظل توجهات معلنة، فيما سيحدد التنفيذ الفعلي مدى تحققها. وسيكون على الحكومة تحويل الأولويات إلى برامج محددة، مع توضيح المسؤوليات والآجال والنتائج المنتظرة.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتشغيل، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما يظل تحسين الولوج إلى التعليم والصحة من الملفات التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للأسر.
ومن جهة أخرى، يتطلب العمل الحكومي تنسيقا مستمرا بين مختلف القطاعات. فنجاح الإصلاحات لا يرتبط فقط بإعلانها، بل كذلك بقدرة المؤسسات على تنفيذها وتقييم أثرها وتصحيح الاختلالات عند ظهورها.
بلاغ الديوان الملكي يحدد انتظارات المرحلة
وكان بلاغ للديوان الملكي، صدر في 14 أكتوبر الجاري، قد شدد على ضرورة التعبئة الشاملة واعتماد أداء حكومي جاد ومسؤول. وربط البلاغ هذه المتطلبات بحجم الرهانات والتحديات والانتظارات المطروحة على مختلف المستويات.
وجاء هذا التأكيد خلال استقبال الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الفريق الجديد. وخلال اللقاء، قدمت المنصوري عرضا بشأن المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة.
ويضع هذا التوجيه مسؤولية التنفيذ في صلب المرحلة المقبلة، إذ يتعين على الفريق الحكومي تحديد أولوياته والعمل على تفعيلها وفق مقاربة واضحة. كما تبرز الحاجة إلى ربط القرارات العمومية بحصيلة قابلة للتقييم، بدل الاكتفاء بالإعلانات والالتزامات العامة.
ويشمل ذلك توضيح ما تحقق في كل قطاع، ورصد الصعوبات التي تعترض تنفيذ البرامج، وتحديد التدابير الكفيلة بمعالجتها. ويساعد هذا المسار على جعل الحصيلة الحكومية قابلة للمتابعة والمساءلة.
العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي ضمن الأولويات
تضع التوجهات المعلنة للأغلبية الحكومية العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي ضمن أهداف العمل العمومي. ويعني ذلك أن تقييم السياسات لا يقتصر على حجم البرامج المعلنة، بل يشمل أيضا مدى استفادة المواطنين منها.
ويظل تقليص الفوارق بين المجالات الترابية أحد الاختبارات الأساسية أمام الحكومة الجديدة. فالتفاوت في الولوج إلى الخدمات والفرص يفرض تنسيقا بين القطاعات، مع مراعاة الحاجات المختلفة للجهات والفئات الاجتماعية.
كما يتطلب تحسين ظروف العيش توجيه البرامج نحو نتائج ملموسة، سواء تعلق الأمر بالخدمات الأساسية أو فرص الشغل أو الحماية الاجتماعية. وتحتاج هذه الأهداف إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، وآليات واضحة للتتبع والتقييم.
وفي المحصلة، تبدأ الحكومة الجديدة ولايتها بتركيبة تجمع بين سابقة تاريخية على مستوى رئاسة السلطة التنفيذية، وتوجهات معلنة بشأن تجديد العمل الحكومي وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن الحكم على حصيلتها سيظل مرتبطا بما ستنجزه على أرض الواقع، وبمدى انعكاس قراراتها على الحياة اليومية للمواطنين.