موسيقى الجاز وكناوة.. سحر ووصل ولغة عالمية تتجاوز حدود الزمان والمكان

الفنان المغربي والمدير الفني لمهرجان "جاز شالة"، مجيد بقاس

الرباط (ومع) عبر جل محطاتها التاريخية، امتزجت موسيقى الجاز بعدد من الألوان والثقافات الموسيقية العالمية تاركة بصمتها الفريدة على كل محطة، لتشهد بذلك على ميلاد أنماط موسيقية فريدة كسرت الحدود وأبدعت لغة موسيقية عالمية تجاوزت مفهومي الزمان والمكان.

ولم يكن ارتباط موسيقى الجاز بالموسيقى المغربية العريقة استثناء أو وليد اليوم، حيث امتزجت موسيقى الجاز بموسيقى كناوة منذ الستينيات، حين اكتشف أحد أشهر مبدعي الجاز، راندي ويستون، هذا النمط الموسيقي بالمغرب وسعى إلى دراسته وممارسته مع أشهر المعلمين المحليين، فضلا أن المغرب شكل ،خلال هذه الحقبة، وجهة مفضلة للعديد من الفنانين العالميين، الذين ألهمتهم إيقاعات “الكمبري” أو”الغانغا ” و الطبول و”القراقب” مثل جيمي هندريكس وكات ستيفنز وبوب مارلي.

والواقع، أن موسيقى كناوة في شمال إفريقيا جاءت حاملة في طياتها قصصا من الشوق إلى الحرية والحنين إلى الوطن، وهو الأمر نفسه الذي كان وراء ظهور موسيقى “البلوز” و”الجاز” في أمريكا على يد هواة وفنانين قادمين من القارة الإفريقية بغرض استرقاقهم.

وفي هذا السياق، أكد الفنان المغربي والمدير الفني لمهرجان “جاز شالة”، مجيد بقاس، أنه على الرغم من تفرد كل نوع من هذين اللونين الموسيقيين بخصوصيته، إلا أن هناك الكثير مما يجمع بينهما، لاسيما الرابط التاريخي بالجذور الإفريقية، والماضي المشترك المتمثل في تجارة الرقيق التي كانت السبب الرئيسي في نشأة هذه الأنماط الموسيقية، فضلا عن الجانب الموسيقي المتمثل في الإيقاع الثلاثي (ternaire), والمقامات الخماسية.

وأضاف بقاس، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة اليوم العالمي لموسيقى الجاز (30 أبريل من كل سنة)، أن القواسم المشتركة بين موسيقى الجاز وموسيقى كناوة على مستوى الإيقاع والألحان أو الطقوس الغنائية التي تعتمد بشكل كبير على الارتجال، تشكل عناصر أساسية في خلق انسجام تام بينهما دون تجاوز خصوصية كل نمط منهما، مبرزا أن المزج بين موسيقى الجاز وموسيقى كناوة يتطلب إلماما كبيرا بالفنيين معا.

وقال المعلم الكناوي إن المغرب يعتبر بلدا رائدا في المزج بين موسيقى كناوة والجاز، مستعرضا، في هذا الصدد، تجربته التي تعتمد على قوة الموسيقى الكناوية ايقاعيا، وتقنيات الجاز في ما يخص “الهارمونيا”، وتوظيف آلة “البيانو” و”الساكسفون” والألوان الإفريقية وآلات “البالافون” و”الكورا” و”الكالمبا”.

وأشار بقاس إلى أن موسيقى كناوة التي كانت تمارس قديما فقط في ما يعرف ب “الليلة”، بطقوس الروحية المتمثلة في ال”جدبة”، أصبحت الآن فنا متكاملا، من خلال انفتاحها على المهرجانات الكبرى ومختلف الأنماط الموسيقية الأخرى، الشيء الذي أكسبها تغيرا كبيرا في طبيعتها.

وأضاف أن فنا البلوز و الجاز في عدد من الولايات الامريكية ظهرا بدورهما للتعبير عن سخط المواطنين الأفارقة من المعاناة خصوصا إبان فترة تجارة الرقيق، قبل أن يصبحا نمطين موسيقين متكاملين للموسيقى الأمريكية.

ولم يفت بقاس، الملقب ب”علي فاركا توري المغربي”،التذكير بالتجارب التي قام بها عازف البيانو راندي وستون أحد أعمدة موسيقى الجاز العريقة، والذي كان سباقا في مجال المزج بين النمطين الموسيقيين، حينما اكتشف موسيقى كناوة بطنجة سنة 1967، رفقة المعلم عبد الله الكورد ومعلمين آخرين، حيث أسس نادي الجاز بطنجة أو ما يعرف حاليا “بـ سينما موريتانيا”.

من جهة أخرى، أكد بقاس أن اختيار المغرب للاحتفاء باليوم العالمي لموسيقى الجاز هذه السنة بمدينة طنجة يشكل تكريسا للعمق التاريخي للمملكة في مجال التنوع الثقافي والفني بما في ذلك موسيقى الجاز، مبرزا أن هذا النمط الموسيقي كان دائما حاضرا سيما عن طريق عازفي الجاز الذين يتوافدون بشكل مستمر على المغرب.

ويجمع اليوم العالمي لموسيقى الجاز، الذي أقره المؤتمر العام لليونسكو في عام 2011 واعترفت به الجمعية العامة للأمم المتحدة، البلدان والمجتمعات من جميع أنحاء العالم في 30 أبريل من كل عام. كما يسلط الضوء على صدى موسيقى الجاز ودورها في تعزيز السلام والحوار بين الثقافات والتنوع واحترام الكرامة الإنسانية.

ويصل صدى اليوم العالمي لموسيقى الجاز إلى أكثر من ملياري شخص في جميع القارات كل عام، من خلال البرامج التعليمية والعروض وأنشطة التوعية المجتمعية والإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام عبر الإنترنت والصحافة المكتوبة والشبكات الاجتماعية.

كما يهدف هذا اليوم إلى إذكاء الوعي بمزايا الجاز كأداة تعل مية، وكقوة للتعاطف والحوار وتقدم التعاون بين الشعوب. وفي هذا اليوم، تشارك العديد من الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية إضافة إلى المواطنين بالترويج لموسيقى الجاز.

ويشكل اليوم العالمي لموسيقى الجاز فرصة أيضا لترسيخ هذا النوع من الابداع الفني ، ليس فقط من أجل الموسيقى، بل أيضا من أجل المساهمة في تعزيز الدور الطلائعي الذي يضطلع به هذا اللون الموسيقى الذي ينشر من خلال ابداعاته شعارات تدعو الى السلام و التعايش و الحوار بين مختلف الثقافات .

Total
0
Shares
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشورات ذات الصلة