منظمة الصحة العالمية تدعو إلى تسريع الانتقال نحو الرعاية النفسية المجتمعية

أصدرت منظمة الصحة العالمية دليلا جديدا يدعو إلى تطوير الرعاية النفسية المجتمعية، في ظل إكمال 9 في المائة فقط من البلدان انتقالها إلى هذا النموذج.
الرعاية النفسية المجتمعية: دعوة لتسريع الإصلاح | إحاطة

دعت منظمة الصحة العالمية إلى تسريع الانتقال من الإقامة الطويلة في مستشفيات الطب النفسي إلى الرعاية النفسية داخل المجتمع. وأكدت المنظمة، الجمعة 9 أكتوبر، ضرورة توفير خدمات تحترم حقوق الأشخاص وكرامتهم، وتراعي احتياجاتهم واختياراتهم.

وأعلنت المنظمة إصدار دليل عملي جديد لمساعدة البلدان على تنفيذ هذا التحول. ويهدف الدليل إلى تمكين الأشخاص الذين أمضوا فترات طويلة داخل المؤسسات النفسية من العودة إلى مجتمعاتهم، مع ضمان الرعاية والدعم اللازمين لاستمرار حياتهم اليومية.

وجاء الإعلان عشية اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر من كل سنة. ويطرح هذا التوجه مراجعة نموذج الرعاية الذي يعتمد على المؤسسات طويلة الإقامة، وتعزيز خدمات مجتمعية تتيح للأشخاص الاستفادة من الدعم دون التخلي عن حريتهم أو استقلاليتهم.

ونقل بيان المنظمة عن مديرها العام، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، تأكيده أن الحصول على الدعم النفسي المستمر لا ينبغي أن يحرم الأشخاص من حريتهم أو كرامتهم أو مكانتهم داخل المجتمع. ودعا البلدان إلى تسريع تحويل الاستثمارات نحو خدمات مجتمعية تحترم الحقوق وتستجيب للاحتياجات الفردية.

الرعاية النفسية المجتمعية بديل عن الإقامة الطويلة

أوضحت منظمة الصحة العالمية أن عددا كبيرا من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية يعيشون داخل مستشفيات كبيرة للطب النفسي ومؤسسات للرعاية الاجتماعية. ويقضي كثيرون منهم فترات طويلة بعيدا عن أسرهم ومحيطهم الاجتماعي.

وأشار البيان إلى أن نحو نصف الأشخاص الموجودين في هذه المؤسسات يبقون فيها دون إرادتهم. وقد تستمر هذه الإقامة لأشهر أو سنوات، بل لعقود في بعض الحالات، ما يعزلهم عن العالم الخارجي ويحد من مشاركتهم في الحياة المجتمعية.

وترى المنظمة أن التحول نحو الرعاية المجتمعية يتطلب مساعدة الأشخاص الذين أمضوا ستة أشهر أو أكثر داخل مستشفيات الطب النفسي على استعادة حياتهم خارج المؤسسات. ويشمل ذلك توفير العلاج والدعم والفرص التي تساعدهم على العيش بكرامة واستقلالية.

ولا يعني هذا التحول الاستغناء عن الرعاية الصحية المتخصصة، بل إعادة تنظيم الخدمات لتستجيب لاحتياجات الأشخاص داخل مجتمعاتهم. ويقتضي ذلك توفير بدائل مناسبة للإقامة الطويلة، وضمان استمرارية العلاج والدعم بعد مغادرة المستشفى.

كما يدعو هذا التوجه إلى تغيير الممارسات التي تحد من حرية الأشخاص أو تستبعدهم من القرارات المتعلقة برعايتهم. وتؤكد المنظمة أهمية احترام اختياراتهم وإشراكهم في تحديد الخدمات التي يحتاجون إليها.

دليل جديد لتقليص الإقامة الطويلة في المستشفيات النفسية

يحدد الدليل الجديد إجراءات عملية تساعد مسؤولي مستشفيات الطب النفسي على تنفيذ هذا التحول. ويركز على ثلاثة مجالات أساسية، تشمل الحد من حالات الدخول والإقامة الطويلة، وتحسين الممارسات داخل المؤسسات، وتسهيل العودة إلى الحياة المجتمعية.

ويحث الدليل المسؤولين على مراجعة أساليب تقديم الرعاية داخل المستشفيات، وتعزيز الممارسات التي تحمي حقوق الأشخاص. كما يدعو إلى تهيئة الظروف المناسبة لمغادرة المستشفى، مع ضمان استمرارية الخدمات التي يحتاج إليها كل شخص.

وتشدد منظمة الصحة العالمية على أن نجاح هذا المسار يتطلب تخطيطا متكاملا، وليس مجرد تقليص مدة الإقامة داخل المؤسسات. لذلك، ينبغي أن تواكب مغادرة المستشفى خدمات مناسبة تضمن استمرار الرعاية وتساعد الأشخاص على الاندماج في محيطهم.

ويشمل ذلك توفير السكن الملائم والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي، إلى جانب فرص التعليم والعمل ومساندة الأسر. وتساعد هذه الخدمات الأشخاص على استعادة استقلاليتهم، وتحد من مخاطر عودتهم إلى المؤسسات بسبب غياب البدائل.

كما يؤكد الدليل ضرورة التنسيق بين المستشفيات والسلطات والجهات الاجتماعية ومقدمي الخدمات داخل المجتمع. ويتيح هذا التعاون تحديد المسؤوليات وضمان انتقال الأشخاص إلى خدمات ملائمة لاحتياجاتهم، بدل الاكتفاء بإنهاء إقامتهم في المستشفى.

9 في المائة فقط من البلدان أكملت الانتقال إلى الرعاية المجتمعية

تكشف بيانات «أطلس الصحة النفسية» الصادر عن منظمة الصحة العالمية عن بطء التقدم في إصلاح خدمات الصحة النفسية. فقد أكملت 9 في المائة فقط من البلدان التي قدمت بياناتها الانتقال إلى الرعاية النفسية المجتمعية.

وفي المقابل، لا تزال 53 في المائة من البلدان المشاركة في مرحلة مبكرة من الإصلاح. وتعكس هذه الأرقام استمرار الاعتماد على المستشفيات والمؤسسات النفسية في تقديم جزء مهم من خدمات الرعاية.

وأظهرت البيانات أيضا أن مدة إقامة 28 في المائة من الأشخاص الذين دخلوا مستشفيات الطب النفسي تجاوزت ستة أشهر. ويبرز هذا المؤشر حجم التحدي المرتبط بالإقامة الطويلة، والحاجة إلى تطوير بدائل مجتمعية تضمن استمرارية العلاج والدعم.

وتشير هذه المعطيات إلى تفاوت واضح بين البلدان في تطوير نماذج الرعاية النفسية. كما تبرز الحاجة إلى إصلاحات تشمل التمويل والتشريعات والخدمات، بما يتيح توسيع الرعاية المجتمعية وتقليل الاعتماد على الإقامة الطويلة.

وتؤكد المنظمة أن تطوير هذه الخدمات لا يقتصر على توفير العلاج النفسي وحده. بل يتطلب أيضا معالجة الاحتياجات السكنية والاجتماعية والتعليمية والمهنية، حتى يتمكن الأشخاص من مواصلة حياتهم داخل المجتمع.

إشراك الأشخاص ذوي التجربة المباشرة في إصلاح الخدمات

شددت منظمة الصحة العالمية على ضرورة إشراك الأشخاص الذين سبق لهم الاستفادة من خدمات الصحة النفسية في وضع السياسات وتصميم الخدمات. كما دعت إلى منحهم دورا فعليا في القرارات التي تؤثر في حياتهم ومستقبل رعايتهم.

وترى المنظمة أن التجربة المباشرة للرعاية داخل المؤسسات توفر معرفة مهمة باحتياجات الأشخاص والعوائق التي يواجهونها. ويمكن لهذه الخبرات أن تساعد المسؤولين على تطوير خدمات أكثر استجابة، وتعزيز فرص التعافي والمشاركة في الحياة المجتمعية.

وأعدت المنظمة الدليل بمشاركة خبراء من مناطق مختلفة حول العالم، بمن فيهم أشخاص سبق لهم تلقي الرعاية داخل المؤسسات النفسية. كما صممت الإجراءات المقترحة لتكون قابلة للتكييف مع الظروف المحلية والأنظمة الصحية في البلدان المختلفة.

وتدعو المنظمة الحكومات ومقدمي الخدمات إلى تسريع هذا التحول، مع وضع الأشخاص ذوي التجربة المباشرة في صلب عملية الإصلاح. ويهدف هذا التوجه إلى بناء منظومة للصحة النفسية تحمي الحقوق، وتدعم التعافي، وتتيح للأشخاص المشاركة في القرارات والخدمات التي تمس حياتهم.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts