الدفتيريا تعيد طرح سؤال التلقيح في المغرب

الدفتيريا في المغرب.. عودة مرض نادر بعد عقود | إحاطة

عادت الدفتيريا إلى الواجهة في المغرب، بعد عقود من التراجع الكبير الذي حققه برنامج التلقيح ضد هذا المرض. ويأتي ذلك عقب تأكيد حالة مخبريا في جهة سوس-ماسة، بالإضافة إلى حالتين في اليوسفية سجلت منها حالة وفاة طفلة 12 سنة، لم يسبق لها تلقي التلقيح.

وفق المعطيات التي قدمها الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في سياسات ونظم الصحة ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة. تعد الدفتيريا عدوى بكتيرية نادرة في البلدان ذات التغطية التلقيحية المرتفعة.

ومع ذلك، لم يختف المرض بشكل نهائي على المستوى العالمي. ويمكن أن يظهر مجددا عندما توجد فئات لم تستفد من التلقيح بشكل كاف.

وتكتسب عودة المرض أهمية خاصة بسبب طبيعة مضاعفاته المحتملة. فالدفتيريا قد تصيب الجهاز التنفسي، كما يمكن للذيفان الذي تنتجه بعض سلالاتها أن يصل إلى القلب والجهاز العصبي. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التلقيح يظل الوسيلة الأساسية للوقاية، مع أهمية استكمال الجرعات والجرعات التذكيرية.

الدفتيريا في المغرب.. مرض بكتيري لم يختف عالميا

تختلف الدفتيريا عن الأمراض الفيروسية، لأنها تنتج عن بكتيريا تعرف باسم Corynebacterium diphtheriae. ولا تنتج جميع السلالات الأشكال الشديدة من المرض، إذ ترتبط الحالات الأخطر خصوصا بالسلالات التي تفرز ذيفان الدفتيريا.

ويؤدي هذا الذيفان إلى إتلاف الأنسجة في موضع العدوى. كما يمكن أن ينتقل عبر الدم ويؤثر في أعضاء أخرى، خصوصا القلب والجهاز العصبي. لذلك، لا ترتبط خطورة الدفتيريا بالبكتيريا وحدها، بل أيضا بالذيفان الذي قد تنتجه بعض السلالات.

وتنتقل العدوى أساسا عبر الرذاذ التنفسي والمخالطة القريبة للشخص المصاب. ويمكن كذلك للدفتيريا الجلدية أن تنقل البكتيريا عبر ملامسة الجروح. كما يستطيع بعض حاملي البكتيريا نقلها رغم غياب الأعراض الواضحة.

وتبدأ الأعراض عادة بعد فترة حضانة تتراوح بين يومين وخمسة أيام. وقد تظهر في البداية على شكل ألم في الحلق، وحمى، وإرهاق، وصعوبة في البلع. كما يمكن أن تتضخم العقد اللمفاوية الموجودة في منطقة الرقبة.

الغشاء الرمادي أبرز العلامات السريرية

تظهر إحدى أكثر العلامات دلالة على الدفتيريا التنفسية في تشكل غشاء سميك وملتصق. ويكون هذا الغشاء عادة رمادي اللون أو مائلا إلى البياض، وقد يغطي اللوزتين أو الحلق.

وفي بعض الحالات، يمتد الغشاء نحو الحنجرة ويؤدي إلى صعوبة في التنفس. وقد يصاحب ذلك تورم واضح في الرقبة، خصوصا عندما تكون الإصابة شديدة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأعراض تبدأ غالبا بعد يومين إلى خمسة أيام من التعرض للبكتيريا.

وتتخذ الدفتيريا أشكالا سريرية متعددة. فقد تظهر في البلعوم أو اللوزتين أو الحنجرة أو الأنف. كما يمكن أن تصيب الجلد، غير أن الأشكال التنفسية تظل الأكثر إثارة للقلق بسبب خطر انسداد المسالك الهوائية وتأثير الذيفان.

ولا تتوقف مضاعفات المرض عند الجهاز التنفسي. فقد يسبب الذيفان التهاب عضلة القلب واضطرابات في النظم القلبي. كما يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات عصبية، تشمل بعض أشكال الشلل، وقد تؤثر في عضلات التنفس في الحالات الشديدة.

لماذا تحتاج الدفتيريا إلى تدخل سريع؟

تكمن أهمية التشخيص المبكر في أن العلاج لا ينبغي أن ينتظر دائما نتيجة التحليل المخبري عند وجود اشتباه سريري قوي. وتوصي منظمة الصحة العالمية ببدء العلاج بسرعة عند الاشتباه في المرض، مع إجراء الفحوص اللازمة لتأكيد الحالة.

وتعتمد معالجة الحالات على مضاد ذيفان الدفتيريا، إلى جانب المضادات الحيوية. ويعمل مضاد الذيفان على معادلة السم الموجود في الجسم، بينما تساعد المضادات الحيوية على القضاء على البكتيريا والحد من انتقال العدوى.

كما تتطلب الحالات المشتبه فيها تدابير مناسبة للعزل والمتابعة. ويشمل التعامل مع المخالطين البحث عن الأشخاص الذين تعرضوا للعدوى، ثم مراقبتهم وتقييم وضعهم التلقيحي.

وتوصي منظمة الصحة العالمية كذلك بتقديم الوقاية بالمضادات الحيوية للمخالطين عند الحاجة، مع استكمال التلقيح للأشخاص الذين لم يحصلوا على الجرعات المطلوبة.

التلقيح يظل خط الدفاع الأساسي

يعتمد لقاح الدفتيريا على ذيفان معطل، أي إنه يستخدم نسخة غير سامة من الذيفان لتحفيز جهاز المناعة. وغالبا ما يعطى ضمن لقاحات مشتركة تشمل الكزاز والسعال الديكي وأمراضا أخرى.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الحماية تحتاج إلى سلسلة أولية من الجرعات، تليها جرعات تذكيرية للحفاظ على المناعة لفترة أطول. كما تؤكد أن الأشخاص غير الملقحين أو الذين لم يستكملوا الجرعات يظلون أكثر عرضة للإصابة.

وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية المتاحة إلى أن تغطية الجرعة الثالثة من لقاح الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي بلغت 97 في المائة بين الأطفال بعمر سنة في المغرب سنة 2023. ومع ذلك، لا يعني المعدل الوطني المرتفع بالضرورة غياب فجوات محلية في التغطية.

وعلى المستوى العالمي، حصل 85 في المائة من الأطفال على الجرعات الثلاث الأساسية من اللقاح المضاد للدفتيريا خلال 2025. وفي المقابل، بقيت نسبة من الأطفال دون تلقيح كامل، مع استمرار تسجيل فاشيات في مناطق تعاني من فجوات في المناعة.

المغرب.. تاريخ طويل مع التراجع الكبير للمرض

عرف المغرب حالات وأوبئة للدفتيريا قبل تعميم التلقيح. ومع توسع البرنامج الوطني للتمنيع، تراجع المرض بشكل كبير خلال العقود الماضية.

وبحسب المعطيات التي أوردها الدكتور الطيب حمضي، سجل المغرب 14 حالة سنة 1989، ثم حالة واحدة فقط سنة 1991. وبعد ذلك، اختفى المرض عمليا من البلاغات المغربية لعدة عقود.

وتفسر هذه المسيرة أهمية الحالة التي ظهرت خلال سبتمبر 2026. فعودة حالة مؤكدة بعد فترة طويلة من التراجع لا تعني تلقائيا وجود وباء وطني. لكنها تفرض، في المقابل، تعزيز الترصد والتحقق من وضعية المخالطين والتغطية التلقيحية في المناطق المعنية.

ماذا حدث في سوس-ماسة خلال شتنبر 2026؟

في 28 سبتمبر 2026، تأكد مخبريا تسجيل حالة دفتيريا في جهة سوس-ماسة، وفق المعطيات التي عرضها حمضي. كما حددت السلطات الصحية بؤرتين عائليتين في أكادير إداوتنان واشتوكة آيت باها.

وفي التاريخ نفسه، كانت ثماني حالات أخرى لا تزال تخضع للتحريات المخبرية، بينها حالتا وفاة. لذلك، شدد حمضي على ضرورة التمييز بين الحالات المؤكدة والحالات التي ما تزال قيد التحقيق.

وبناء على هذه المعطيات، لا يتعلق الأمر بتسع حالات مؤكدة. الموجود آنذاك هو حالة واحدة مؤكدة مخبريا وثماني حالات قيد التحري. كما أشارت المعطيات المتداولة محليا إلى وجود أطفال لم يتلقوا اللقاح أو لم يستكملوا جرعاتهم.

وتبقى أسباب الوفيات والعدد النهائي للحالات من بين العناصر التي تحتاج إلى نتائج التحقيقات والفحوص. كما يظل من المهم معرفة ما إذا كانت الحالات الجديدة مرتبطة بالبؤر الأولى، أو إذا ظهرت إصابات خارج نطاقها.

العودة المحلية لا تعني وباء وطنيا

يشير حمضي إلى أن المعطيات الحالية تعكس عودة محلية مهمة للمرض. لكنها لا تكفي، في حد ذاتها، للحديث عن وباء وطني. وتبقى الصورة الوبائية مرتبطة بنتائج التحريات المقبلة واتساع دائرة الحالات المؤكدة.

وتكمن الأولوية حاليا في تحديد المخالطين، وأخذ العينات، ومتابعة الحالات المحتملة. كما تشمل الاستجابة تقييم الوضع التلقيحي واستدراك الجرعات الناقصة عند الحاجة.

وتتوافق هذه المقاربة مع توصيات منظمة الصحة العالمية، التي تشدد على سرعة اكتشاف الحالات وتعزيز الترصد وسد فجوات المناعة. وتعتبر المنظمة أن استمرار التغطية المرتفعة للتلقيح يقلل فرص عودة المرض وانتشاره.

ما الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة؟

ستتحدد الصورة بشكل أكبر مع ظهور نتائج التحاليل الخاصة بالحالات الثماني قيد التحقيق. كما ستكتسب أسباب الوفيات أهمية خاصة في تقييم الوضع الصحي داخل البؤر المعنية.

ويظل رصد حالات لا تربطها صلة بالبؤر الأولى مؤشرا مهما في تقييم مدى انتشار العدوى. كذلك ستساعد مراجعة دفاتر التلقيح على تحديد ما إذا كانت هناك فجوات محلية تحتاج إلى تدخل سريع.

وفي هذا السياق، لا يعني ارتفاع التغطية الوطنية أن جميع المناطق والفئات تتمتع بالمستوى نفسه من الحماية. فقد تخفي المعدلات الوطنية جيوبا محلية تحتاج إلى تعزيز التلقيح والترصد، خصوصا عندما تظهر إصابة بمرض كان نادرا لسنوات طويلة.

وتخلص المعطيات التي قدمها الدكتور الطيب حمضي إلى أن الدفتيريا مرض نادر، لكنه قد يكون خطيرا ومميتا. ويظل التلقيح الوسيلة الأساسية للوقاية، بينما يكتسب التشخيص المبكر والعلاج السريع أهمية كبيرة عند الاشتباه في الإصابة.

وعند ظهور ألم في الحلق مصحوب بغشاء رمادي ملتصق، أو تورم واضح في الرقبة، أو صعوبة في التنفس، تستدعي الحالة تقييما طبيا عاجلا. كما لا ينبغي محاولة إزالة الغشاء الموجود في الحلق بشكل ذاتي، لأن التعامل معه يحتاج إلى تقييم ورعاية طبية مناسبة.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts