كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن غلاء الأسعار والبطالة بالمغرب 2026 ما زالا يثقلان كاهل الأسر، رغم تحسن طفيف في مؤشرات الثقة خلال الفصل الأول من السنة.
وتعكس الأرقام المعلنة استمرار القلق من تدهور القدرة الشرائية، مع ارتفاع واسع في أسعار المواد الغذائية، وتخوف قوي من تفاقم البطالة خلال الأشهر المقبلة.
هذه المعطيات تؤكد أن التحسن المسجل لا يكفي لتغيير الصورة العامة. فالأسر ما تزال تواجه ضغوطا يومية متواصلة. كما أن نظرتها إلى المستقبل تبقى حذرة، سواء في ما يخص الشغل أو الأسعار أو الادخار.
البطالة تواصل إثارة القلق
أوضحت المعطيات أن 57,9 في المائة من الأسر تتوقع ارتفاع البطالة خلال الاثني عشر شهرا المقبلة. في المقابل، لا تتجاوز نسبة الأسر التي تتوقع تراجعها 23,2 في المائة. وبلغ رصيد هذا المؤشر ناقص 34,7 نقطة، رغم تحسنه مقارنة بالفصل السابق.
هذا الرقم يكشف أن القلق من سوق الشغل ما يزال مرتفعا. كما يعكس ضعف الثقة في قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية خلال المدى القريب. لذلك، تستمر البطالة في صدارة الهواجس الاجتماعية لدى عدد كبير من الأسر المغربية.
ولا يرتبط هذا التخوف فقط بالأرقام المجردة. بل يمتد إلى الإحساس العام بعدم الاستقرار المهني، خاصة داخل الأسر التي تعتمد على دخل محدود أو غير منتظم. لذلك، ينعكس أي تراجع في الثقة مباشرة على الاستهلاك وعلى القرارات المالية اليومية.
غلاء الأسعار والبطالة يضغطان على المعيشة
أكدت 93,3 في المائة من الأسر أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال السنة الماضية. ويعكس هذا الرقم شبه إجماع على أن الغلاء صار واقعا يوميا يطال أغلب البيوت المغربية. وبلغ رصيد هذا المؤشر ناقص 92,7 نقطة، وهو مستوى شديد السلبية.
كما تتوقع 78,9 في المائة من الأسر استمرار ارتفاع الأسعار خلال السنة المقبلة. في المقابل، لا تتجاوز نسبة من ينتظرون انخفاضها 2,4 في المائة فقط. وهذا المعطى يكشف أن التخوف من الغلاء لا يتعلق بالماضي فقط، بل يمتد أيضا إلى المستقبل القريب.
ارتفاع الأسعار بهذا الشكل يضعف القدرة الشرائية بشكل مباشر. فالأسر تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها. كما تميل إلى تقليص بعض النفقات أو تأجيل اقتناء حاجيات غير أساسية. ويظهر هذا الأثر بوضوح أكبر حين يتعلق الأمر بالمواد الغذائية، لأنها تدخل في الإنفاق اليومي ولا يمكن الاستغناء عنها.
القدرة الشرائية تحت الضغط
اعتبرت 66,9 في المائة من الأسر أن الظروف غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة. وبلغ رصيد هذا المؤشر ناقص 51,0 نقطة. ورغم تسجيل تحسن طفيف، فإن المؤشر ظل في المنطقة السلبية بشكل واضح.
هذا المعطى يوضح أن كثيرا من الأسر باتت تؤجل قرارات الشراء الكبرى. ويشمل ذلك الأجهزة المنزلية أو التجهيزات التي تتطلب ميزانية إضافية. كما يعكس تراجعا في هامش الراحة المالية داخل عدد واسع من الأسر.
حين تنخفض القدرة على اقتناء السلع المستديمة، فإن ذلك لا يرتبط فقط بالرغبة في الادخار. بل يكشف أيضا عن إحساس عام بعدم اليقين. فالأسر التي لا تثق في المستقبل تميل عادة إلى تشديد الحذر في الإنفاق، حتى عندما تكون حاجتها إلى الشراء قائمة.
مداخيل محدودة وصعوبات في الادخار
صرحت 59,9 في المائة من الأسر بأن مداخيلها تغطي مصاريفها. في المقابل، قالت 37,5 في المائة إنها تلجأ إلى مدخراتها أو إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها. أما الأسر التي تمكنت من الادخار، فلم تتجاوز نسبتها 2,5 في المائة.
هذه الأرقام ترسم صورة دقيقة عن هشاشة الوضع المالي داخل عدد كبير من البيوت. فحين تضطر أسرة إلى استهلاك مدخراتها أو إلى اللجوء إلى الدين، فإن ذلك يعني أن توازنها المالي صار مهددا. كما يعني أن أي ارتفاع إضافي في الأسعار قد يزيد الوضع تعقيدا.
ولا يتوقف الأمر عند الحاضر فقط. إذ صرحت 87,8 في المائة من الأسر بأنها لا تتوقع الادخار خلال السنة المقبلة. وهذا المؤشر يبرز أن الضغط المالي ما يزال قويا، وأن هامش المناورة يبقى محدودا جدا أمام أغلب الأسر.
تحسن محدود في الثقة
رغم هذه الصورة الصعبة، تظهر بعض المؤشرات أن الأسر لا تنظر كلها إلى المستقبل بالسواد نفسه. فقد توقعت 21,1 في المائة من الأسر تحسن وضعيتها المالية خلال السنة المقبلة، مقابل 15,3 في المائة ترى أنها ستتدهور. وبلغ رصيد هذا المؤشر 5,8 نقاط.
هذا التطور يعكس تحسنا طفيفا في نظرة بعض الأسر إلى المستقبل. لكنه يظل محدودا إذا قورن بحجم الضغوط المرتبطة بالأسعار والبطالة. لذلك، يصعب الحديث عن تحول حقيقي في المزاج العام، بقدر ما يمكن الحديث عن انفراج نسبي لا أكثر.
المؤشرات المتوفرة توضح أن الثقة تحسنت بشكل محدود، لكن عناصر القلق الأساسية ما تزال قائمة. فالبطالة تثير التخوف، والغلاء يضغط على الإنفاق، والادخار يبقى بعيدا عن متناول أغلب الأسر. لذلك، تبدو الصورة العامة مقلقة رغم هذا التحسن الجزئي.
في المحصلة، تؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن غلاء الأسعار والبطالة بالمغرب 2026 يواصلان الضغط على الأسر المغربية. كما تكشف أن تحسن الثقة لا يزال هشا، ولا يكفي لتبديد المخاوف المرتبطة بالمعيش اليومي. وتبقى الحاجة قائمة إلى إجراءات تخفف العبء عن القدرة الشرائية، وتدعم الاستقرار الاجتماعي، وتقوي ثقة الأسر في الأشهر المقبلة.